المعادلة النهائية تبدو معقدة، فإيران تريد الحفاظ على قيمة هرمز كورقة قوة، ودول الخليج تريد تقليل اعتمادها عليه، والولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة، وبين هذه الحسابات المتعارضة، يصبح البحر الأحمر وباب المندب امتداداً لمعركة هرمز، ليس فقط كصراع على الممرات البحرية، بل كصراع على من يملك القدرة على رسم خريطة الاقتصاد والطاقة في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.
المشكلة الأساس في المواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة، أن الطرفين يملكان أدوات ضغط، لكن لا يملك أي منهما القدرة على تحقيق انتصار حاسم، مما قد يحول الصراع الجاري حالياً إلى حرب ممتدة لأعوام على غرار الحرب الروسية – الأوكرانية، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدا كما لو أنه لا يعطى أولوية لانتخابات التجديد النصفي.
في مثل ذلك السياق، قد تبدأ دول العالم في البحث عن بدائل لممرات الطاقة، وقد يتعايش الاقتصاد العالمي مع أزمة مضيق هرمز، على غرار التداعيات التي اعتادها لأزمة كورونا والحرب الروسية – الأوكرانية، وهنا تعتبر إيران أن الورقة الإستراتيجية لرابحة الوحيدة في يدها مهددة بفقدان أهميتها، وهي مضيق هرمز، لذا برز مضيق باب المندب والبحر الأحمر كساحة جديدة للصراع، خصوصاً مع تصاعد تحركات جماعة الحوثي ضد الملاحة المرتبطة بالسعودية، فهل أصبح باب المندب امتداداً لمعركة هرمز؟
وعلى رغم أن طهران تؤكد دائماً أن أمن مضيق هرمز مرتبط بأمن الخليج كله، فإن أحد المخاوف الإستراتيجية الإيرانية يتمثل في نجاح دول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات، في تطوير مسارات بديلة تقلل من الاعتماد على مضيق هرمز، وبالتالي تقليص الورقة الجيوسياسية التي يمثلها المضيق بالنسبة إلى إيران، إذ تنبع أهمية مضيق هرمز من كونه نقطة العبور الأساسية لنحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، حيث تمر عبره يومياً كميات ضخمة من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، وأيضاً يعبره عشرات آلاف السفن سنوياً، تشمل ناقلات النفط وسفن الحاويات والبضائع، مما يجعل أهميته تتجاوز قطاع الطاقة إلى التجارة العالمية بأكملها، ولهذا فإن أي تهديد لإغلاق المضيق، أو تعطيل الملاحة فيه، يخلق أزمة دولية مباشرة، لكن في المقابل، تدرك إيران أن استمرار استخدام هرمز كسلاح جيوسياسي، قد يدفع الدول الأخرى إلى تسريع البحث عن بدائل.
وهنا تكمن المعضلة الإيرانية، فالقوة الإستراتيجية لطهران لا ترتبط فقط بقدراتها العسكرية، بل أيضاً بموقعها الجغرافي الذي يمنحها قدرة على التأثير في أحد أهم طرق الطاقة العالمية، وإذا تراجعت أهمية هرمز، فإن جزءاً من هذه القوة سيتآكل، وخلال الأعوام الماضية، استثمرت السعودية والإمارات في إنشاء بنى تحتية، تهدف إلى تجاوز مضيق هرمز جزئياً، فقد طورت السعودية خط أنابيب شرق – غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وطورت الإمارات منشآت التصدير في ميناء الفجيرة على بحر عُمان، وهي محاولة إستراتيجية لتقليل نقاط الضعف، إذ يمنح الدول المنتجة هامش مناورة في حال تعرض المضيق للخطر، وأصبحت الموانئ السعودية على البحر الأحمر مركزاً خليجياً للتجارة، منذ أن أدى الصراع مع إيران إلى اختناق حركة الملاحة عبر هرمز.
ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن استمرار الحرب وإغلاق هرمز فترة طويلة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، وقد يدفع العالم إلى الاستثمار بصورة أكبر في بدائل تقلل من مركزية المضيق مستقبلاً.
لماذا يتحرك الحوثيون في باب المندب؟
في هذا السياق، يمكن فهم تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر وإعلان استهداف السفن المرتبطة بالسعودية، باعتباره جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز الملف اليمني الداخلي، فباب المندب يمثل أحد أهم البدائل المحتملة لحركة التجارة والطاقة، في حال تضررت حركة الملاحة عبر هرمز، وقد أثبتت الأعوام الأخيرة أن هذا المضيق قادر على التأثير في الأسواق العالمية، خصوصاً بعد الهجمات الحوثية السابقة على السفن التجارية، والتي دفعت كثيراً من شركات الشحن إلى إعادة توجيه سفنها بعيداً من البحر الأحمر، ومن هنا فإن الضغط على باب المندب يحقق هدفين محتملين: الأول منع تحول البحر الأحمر إلى بديل آمن لمضيق هرمز، فإذا تمكنت السعودية والإمارات من استخدام طرق البحر الأحمر بكفاءة أكبر، فإن قدرة إيران على استخدام هرمز كورقة ضغط ستتراجع، والثاني إرسال رسالة إستراتيجية إلى دول الخليج والولايات المتحدة، بأن أية محاولة لتجاوز النفوذ الإيراني في الخليج، ستواجه ضغوطاً في مسارح أخرى.
ولكن هل تستطيع إيران فعلاً إغلاق كل البدائل؟ فعلى رغم أهمية التحرك في باب المندب، فإن السيطرة على طرق التجارة العالمية ليست بتلك السهولة، فهناك اختلافات جوهرية بين هرمز وباب المندب، فإيران تقع مباشرة على مضيق هرمز، وتمتلك قدرة جغرافية وعسكرية أكبر على التأثير فيه، بينما الحوثيون لا يسيطرون بصورة كاملة على مضيق باب المندب نفسه، بل يعتمدون على الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق الصغيرة لتهديد حركة السفن، وكذلك فإن استهداف باب المندب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويدفع القوى الدولية إلى تعزيز وجودها العسكري في البحر الأحمر، كما حدث خلال الأعوام الماضية، ويمكن القول إن تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر لا يمكن فصله بالكامل عن الصراع الأوسع حول مستقبل طرق الطاقة العالمية، فإيران تدرك أن خسارة مركزية هرمز تعني خسارة جزء مهم من نفوذها الإستراتيجي، ولذلك فإن منع ظهور بدائل مستقرة قد يصبح هدفاً جيوسياسياً لإيران، وفي الوقت نفسه فإن تحويل كل الممرات البحرية إلى ساحات صراع، يحمل أخطاراً كبيرة على إيران نفسها، لأن الاقتصاد الإيراني يعتمد أيضاً على استقرار التجارة والطاقة الإقليمية، ولا ننسى مصالح حلفاءها مثل الصين.
المعادلة النهائية تبدو معقدة، فإيران تريد الحفاظ على قيمة هرمز كورقة قوة، ودول الخليج تريد تقليل اعتمادها عليه، والولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة، وبين هذه الحسابات المتعارضة، يصبح البحر الأحمر وباب المندب امتداداً لمعركة هرمز، ليس فقط كصراع على الممرات البحرية، بل كصراع على من يملك القدرة على رسم خريطة الاقتصاد والطاقة في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة، ويبدو أن طهران مصممة على إشعال الصراع من أجل زيادة الضغط على واشنطن ودول الخليج، ولكن توسع الصراع قد يمهد لعودة إسرائيل للمشهد مرة أخرى، كما في الـ 28 من فبراير (شباط) الماضي.
- إندبندنت























