لا تأتي أهمية كتاب “الثورة السورية… الحرب الأهلية وسقوط سلالة الأسد” (The Syrian Revolution: The Civil War and the Fall of the Assad Dynasty)، من موضوع الكتاب فقط، وإنّما أيضاً من هُويّة مؤلفَيه، فإيتامار رابينوفيتش أحد أبرز العقول الإسرائيلية التي صاغت فهم المؤسّسة السياسية والأمنية لسورية أربعة عقود. تولّى رئاسة جامعة تل أبيب، وكان سفيراً لإسرائيل في واشنطن، ورئيساً للوفد الإسرائيلي في مفاوضات السلام مع سورية في التسعينيات، وسبق أن كتب دراسات مهمّة عن حزب البعث وسورية في عهد حافظ الأسد، وعن العلاقات السورية الإسرائيلية. أمّا شريكته في الكتاب، كرميت فالينسي، فهي من أبرز الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، والمتخصّصة في سورية وإيران وحزب الله، وكانت خلال سنوات الحرب من أكثر الأصوات حضوراً في تقديرات الموقف التي اعتمدتها دوائر صنع القرار في إسرائيل. ولذلك، لا يمثّل الكتاب رأياً شخصياً بقدر ما يعكس، إلى حدّ بعيد، المزاج التحليلي السائد داخل النُّخبة الأمنية والأكاديمية الإسرائيلية.
فتح سقوط دمشق الباب أمام كتابة روايات متعدّدة: سورية، وروسية، وإيرانية، وتركية، وأميركية… وإسرائيلية أيضاً
ومن المهم الإشارة هنا إلى أنّ هذا الكتاب يأتي امتداداً لكتابهما السابق “المرثية السورية: الحرب الأهلية وتداعياتها” (Syrian Requiem)، الذي صدر قبل سنوات، عندما نجح النظام (بدعم روسي وإيراني) في استعادة معظم الجغرافيا السورية. يومها خلص المؤلّفان إلى أنّ الأسد انتصر عسكرياً، لكنّه يحكم دولةً منهكةً فاقدةً للسيادة، وعاجزةً عن إعادة إنتاج نفسها. وقد حذّرا منذ ذلك الوقت من أنّ ما بدا “انتصاراً” يخفي بذور انهيار لاحق، لأنّ النظام استعاد الأرض، لكنّه لم يستعد الدولة. واليوم يبدو أنّ الكتاب الجديد يُقدَّم بوصفه الفصل الأخير لذلك التحليل؛ أي تفسير كيف تحوّلت “الدولة الهشّة” إلى “الدولة المنهارة”.
في السياق نفسه، ليست القيمة الأساسية للكتاب في كشف “أسرار استخباراتية” جديدة، كما قد يتوقّع بعضهم، فهو لا يعتمد على وثائق إسرائيلية سرّية أو محاضر مغلقة لصنع القرار، لكنّ قيمته الحقيقية أنّه يستند إلى خبرة تراكمية، ومئات المقابلات التي أجراها المؤلفان سنوات، وإلى إعادة تركيب مسار الحرب في ضوء النهاية التي وصل إليها النظام.
لا يعني هذا أنّ الكتاب يخلو من إضافات مهمّة؛ فالفكرة المركزية التي يدافع عنها أنّ سقوط الأسد لم يكن نتيجة هجوم عسكري خاطف، بل نتيجة عملية تآكل طويلة للدولة السورية نفسها؛ الجيش فقد تماسكه تدريجياً، والاقتصاد دخل مرحلة الانهيار البنيوي، والمؤسّسات تحوّلت إلى هياكل فارغة، بينما أصبح النظام يعتمد بصورة شبه كاملة على روسيا وإيران. وعندما شُغل الروس بأوكرانيا، وتراجعت قدرة إيران بعد الضربات المتلاحقة التي تعرّض لها مشروعها الإقليمي، وجد النظام نفسه للمرّة الأولى من دون “رئة خارجية” يتنفّس منها، فلم يعد حينها السؤال: لماذا سقط، بل لماذا تأخّر سقوطه هذا الوقت كلّه؟
تكشف هذه القراءة زاوية أخرى من زوايا قراءة التحوّلات السورية، والمقصود هنا التفكير الإسرائيلي. فالمؤلّفان لا يفسّران الثورة السورية انتصاراً لقوى المعارضة، ولا باعتبارها مجرّد نتيجة للاحتجاجات الشعبية، وإنّما حصيلة تفاعل ثلاثة مستويات: انهيار الدولة من الداخل، واستنزاف الحلفاء، وتغير البيئة الإقليمية. وهي مقاربة تنسجم مع المدرسة الواقعية التي هيمنت طويلاً على الدراسات الإسرائيلية، إذ تُقرأ المجتمعات من خلال ميزان القوى أكثر ممّا تُقرأ من خلال دينامياتها الاجتماعية والسياسية. قد تكون النقطة الأكثر إثارة للاهتمام هي نظرة إسرائيل إلى سورية الجديدة التي يكشفها الكتاب (بين السطور). فالمقال التعريفي الذي نشرته صحيفة يسرائيل هيوم يركّز على أنّ السؤال لم يعد لماذا سقط الأسد، بل ماذا بعده؟ وهل تستطيع القيادة الجديدة برئاسة أحمد الشرع أن تبني دولةً مستقرّةً، أم أنّ سورية ستدخل دورةً جديدةً من التفكّك وعدم اليقين؟ فمن الواضح أنّ إسرائيل لا تنظر إلى أحمد الشرع بالمنظار نفسه الذي كانت تنظر به إلى بشّار الأسد. فمن جهة، هناك ارتياح واضح إلى انحسار النفوذ الإيراني، وتفكيك جزء كبير من البنية العسكرية التي بنتها طهران داخل سورية. وهذا يُعدّ، في المنظور الإسرائيلي، أحد أكبر المكاسب الاستراتيجية منذ عقود. لكن، في المقابل، لا يظهر أيّ قدر من الاطمئنان الكامل تجاه النظام الجديد. فالشرع بالنسبة إلى المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية ليس “حليفاً محتملاً”، بل “فاعل غير مكتمل التعريف”. ولذلك تسود في الكتاب، كما في معظم الأدبيات الإسرائيلية الحديثة، لغة الاختبار والترقّب أكثر من لغة الأحكام النهائية.
الشرع بالنسبة إلى المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية ليس “حليفاً محتملاً”، بل “فاعل غير مكتمل التعريف”
هنا تكمن إحدى المفارقات اللافتة. فعلى امتداد سنوات الحرب، كان باحثون إسرائيليون كثيرون يردّدون المقولة الشهيرة: “الأسد شيطان، لكنّه شيطان نعرفه”. أمّا اليوم، تجد إسرائيل نفسها أمام قيادة تختلف جذرياً في الخلفية الفكرية، والبنية التنظيمية، وطرق صناعة القرار، الأمر الذي يجعلها أكثر ميلاً إلى الحذر، وأقلّ قدرةً على التنبؤ.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إنّ الكتاب يتجاوز فقط تحليل تاريخ سقوط الأسد إلى بناء قراءة أولية لبداية مرحلة إسرائيلية جديدة في التفكير في سورية. فإذا كانت العقيدة الأمنية طوال العقد الماضي تقوم على احتواء إيران، فإنّ العقيدة الجديدة تبدو مشغولة بسؤال آخر: هل تنجح الدولة السورية الجديدة في إعادة بناء مؤسّساتها، أم تتحوّل إلى نموذج آخر من الدول الضعيفة على حدود إسرائيل. وكما أنّ سقوط جدار برلين لم يكن حدثاً ألمانياً فقط، بل مناسبة أعادت فيها كلّ دولة كتابة تاريخ الحرب الباردة من منظورها، فإنّ سقوط دمشق فتح الباب أمام كتابة روايات متعدّدة: سورية، وروسية، وإيرانية، وتركية، وأميركية… وإسرائيلية أيضاً. والأخيرة، تحديداً، تستحقّ أن تُقرأ بعناية لأنّها تكشف كيف يفكّر الطرف الذي يمثّل متغيّراً رئيساً اليوم في التأثير في المسارات السورية الجديدة، وهذا ما بدا واضحاً منذ سقوط نظام الأسد والتوغّلات الإسرائيلية المستمرّة فضلاً عن دعم قوى درزية واحتلال مناطق في الجنوب السوري المتاخم للجولان المحتلّ.
- العربي الجديد




















