قرأت في صفحة أحد الأكاديميين السوريين شكوى من استمرار تصنيف الأكاديميين الذين انحازوا إلى الثورة وغادروا الجامعات الخاضعة لسيطرة النظام تحت وصف «جريمة ترك العمل» فهؤلاء لم يتركوا وظائفهم طلبا لمصلحة شخصية أو تقاعسا عن واجب، بل على العكس، فهم حين غادروا؛ فذلك بسبب موقفهم الأخلاقي من نظام الأسد المجرم، وبالرغم من ذلك فما زالت القوانين تتعامل معهم بالوصف نفسه الذي صاغه الأسد لمعاقبة معارضيه، ذلك ونحن نقترب من الذكرى الثانية للتحرير!
كثر الحديث -منذ سقوط نظام الأسد– عن ضرورة التخلص من “الثقافة الأسدية” التي ترسخت في المجتمع السوري خلال أكثر من نصف قرن، وغالبا ما ينصرف هذا الحديث إلى الآثار الاجتماعية التي خلّفها الاستبداد، كالفساد والرشوة والمحسوبية والتحايل على القانون والاستهتار بالمال العام.
ولا ريب أن هذه مظاهر حقيقية تستحق المعالجة، لكنها تمثل جانبا من إرث أكثر عمقا وأشد تأثيرا، لعلنا نجده في البنية القانونية والإدارية التي تشكلت خلال عقود الحكم الأسدي. فقد صيغت قوانين كثيرة، وعدلت أخرى، ورسخت إجراءات إدارية، لم تكن تعبر عن حاجة تنظيمية بقدر ما كانت تعكس فلسفة تسلطية تضع المواطن موضع الريبة، وتتعامل معه باعتباره محل رقابة وضبط. وهكذا استقرت في مؤسسات الدولة عقلية إدارية تحمل روح النظام الذي كرّسها.
لقد أسهمت هذه المنظومة في صناعة مواطن اعتاد أن يشعر بأن عليه إثبات أحقيته في أبسط حقوقه، فأصبح الوصول إلى خدمة عامة يمر عبر سلسلة طويلة من الطلبات والموافقات والأختام والطوابع والمراجعات، حتى غدا استيفاء الحق رحلة إدارية شاقة، وتحولت الدولة -التي يفترض أن تكون في خدمة المواطن- إلى جهاز يستنزفه، وكلما احتاج إلى إنجاز معاملة؛ طُلب منه إثبات استحقاقه لها.
ليست كثرة الموافقات والتعقيدات الإدارية مجرد مظاهر لبيروقراطية طبيعية، بل انعكاساً لرؤية حكمت العلاقة بين الدولة والمجتمع لعقود، فالأصل في تلك الرؤية هو المنع لا الإباحة، والتقييد لا التيسير، والشك بدل الثقة. ولذلك كان المواطن يضطر إلى التفرغ لإنجاز معاملة واحدة -قد تنجز في بلاد أخرى بكبسة زر- متنقلا بين الدوائر والطوابق، وربما بين المدن، باحثا عن توقيع هنا وختم هناك، وغالبا عن وسيط يختصر الطريق أو رشوة تفتح بابا مغلقا.
واليوم وعلى الرغم من تراجع مظاهر الرشوة والفساد مقارنة بما كان عليه الحال سابقا؛ فإن كثيرا من القوانين والإجراءات ما زالت تحمل في داخلها المنطق ذاته الذي أنتج تلك الممارسات. ولذلك فإن مكافحة الفساد لا تكتمل بمحاصرة المرتشي وحده؛ وإنما بإزالة الأسباب التي تجعل الرشوة طريقا مختصرا إلى إنجاز المعاملات.
ولهذا فإن مراجعة القوانين والأنظمة الإدارية التي حكمت حياة السوريين طوال العقود الماضية ضرورة في مشروع بناء الدولة الجديدة، كما أن الاستفادة من تجارب الدول التي نجحت في تبسيط إجراءاتها الإدارية تمثل خطوة مهمة، لأن القانون في حقيقته تعبير عن تصور للإنسان والدولة.
فهناك قوانين تنطلق من أن المواطن شريك في بناء المجتمع، فتجعل الأصل هو الحرية والتيسير، ولا تفرض القيود إلا حيث تقتضيها المصلحة العامة. وفي المقابل هناك قوانين تفترض أن المواطن مصدر خطر محتمل، فتغلب المنع والاحتياط، وتجعل الإجراءات المعقدة قاعدة لا استثناء.
ومن هنا تبرز مسؤولية مجلس الشعب الجديد في مراجعة الإرث التشريعي والإداري بأكمله، مستحضرا سؤالا جوهريا أمام كل قانون أو إجراء وهو: هل وُضع هذا القانون لخدمة المواطن أم لإحكام السيطرة عليه؟ وهل ما تزال المصلحة العامة تقتضي بقاءه كما هو؟ وهل يمكن تحقيق الغاية نفسها بوسائل أقل كلفة وأكثر احتراما لوقت الناس وكرامتهم؟
في الحديث عن العدالة الانتقالية يحسب البعض أنها تقتصر على محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، ومع أهمية ذلك؛ لكن العدالة الانتقالية في حقيقة الأمر تشمل كذلك إصلاح المؤسسات وإعادة النظر في القوانين والإجراءات التي كرست إرهاق المواطن، حتى لا تستمر آثار النظام السابق من خلال أدواته الإدارية، وإن غابت وجوهه الكالحة.
لم تكن الثورة السورية ثورة على شخص بشار الأسد وحده، بل كانت ثورة على نمط كامل من الحكم، وعلى تصور معين للعلاقة بين الدولة والمجتمع. ولذلك فإن نجاح المرحلة الجديدة لن يُقاس بتغيير الوجوه وحده على قيمته وأهميته، وإنما بإزالة كل ما يرهق المواطن ويضيق عليه، وبناء منظومة قانونية تنطلق من الثقة لا الريبة، ومن التيسير لا التعقيد، ومن اعتبار الحقوق أصلا لا منَّة تتكرم بها الدولة على المواطن. عندئذ نصل إلى القانون الذي يقدِّر خدمة الإنسان، لا الذي يثقل حياته ويعكّر معيشته.
- الثورة السورية





















