ملخص
صحيح أن المسار التفاوضي اللبناني يسير في واشنطن بخطواته الخاصة وجداوله الزمنية المستقلة، وهذا إنجاز لا يُستهان به. لكن حضور الملف اللبناني على طاولة” بورغنشتوك” بوصفه شرطاً إيرانياً لاستمرار مفاوضات سويسرا، وربط مصير مضيق هرمز بمصير الغارات الإسرائيلية على لبنان، يكشف أن المسارين ليسا منفصلين بالقدر الذي أُريد له أن يبدو.
فمآلات المفاوضات اللبنانية، من سرعة الانسحاب الإسرائيلي إلى آليات الرقابة المقترحة إلى مصير سلاح “حزب الله”، قد تتوقف جزئياً على ما ستتفق عليه واشنطن وطهران في الملف النووي وفي هرمز. وبعبارة أوضح: إذا تعثّرت المفاوضات الإيرانية – الأميركية أو انهارت، فلا ضمانة أن يمضي المسار اللبناني في طريقه المستقل كما لو أن شيئاً لم يكن.
منذ انطلاق المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية قبل أشهر قليلة، تمسك الفريق اللبناني المفاوض، بدعم واسع من غالبية القوى السياسية اللبنانية، بمبدأ جوهري وهو أن المسار اللبناني مسار سيادي مستقل، لا يُربط بمآلات التجاذب الأميركي – الإيراني، ولا يكون رهينةً للتوقيت النووي أو ثمناً لصفقات إقليمية تُعقد فوق رأس بيروت.
وهذا الموقف يعبر عنه رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي يومياً، انطلاقاً من إرادة لبنانية واضحة، أساسها استرداد الأرض والسيادة بموجب القانون الدولي، لا انتظار إذن إيراني أو الانزلاق إلى ورقة ضغط في يدها.
غير أن وقائع مفاوضات بورغنشتوك في سويسرا تطرح سؤالاً جوهرياً “هل نجح هذا الفصل فعلاً بين المسارين”؟
الجولة الخامسة من المفاوضات الإسرائيلية – اللبنانية
غداً الثلاثاء، تنطلق في واشنطن الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، وتمتد ثلاثة أيام، في توقيت يتزامن مع استعداد إيران لجولة جديدة من المفاوضات المباشرة مع أميركا في سويسرا.
في السياق تعترف مصادر دبلوماسية أن إيران، بمساعدة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري و”حزب الله”، نجحت في إدراج ملف وقف إطلاق النار بشكل مباشر في المسار الأميركي – الإيراني، وقد تحقق ذلك عبر سياسة مماطلة متعمدة من الحزب، رفع سقف شروطه، ورفض الانسحاب، والامتناع عن الالتزام العلني وقف إطلاق النار حتى أعلنت إيران موافقتها على مذكرة التفاهم مع واشنطن.
بيد أن المصادر ذاتها تؤكد أن المفاوضات التي يخوضها لبنان مع إسرائيل لن تكون ثانوية. وقد علمت “اندبندنت عربية” أن وزارة الخارجية الأميركية عينت موفداً خاصاً للمشاركة في جلسات سويسرا، مهمته التنسيق بين الطاولتين (طاولة سويسرا وطاولة واشنطن) ونقل الرسائل في الاتجاهين، في محاولة لاستعادة القرار المتعلق بلبنان من طهران وإعادته إلى مساره الطبيعي.
والهدف الأميركي واضح وهو فرض ما يتفق عليه في واشنطن بين لبنان وإسرائيل على أي اتفاق إيراني -أميركي، لا العكس. وقد حرص وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن يُبقي بيده خيط القرار، إذ لن يُتخذ أي قرار يخص الملف اللبناني على طاولة سويسرا من دون الرجوع إليه شخصياً، هذا التوازي بين المسارين يزيد المشهد تعقيداً، لكنه في الوقت نفسه يُقيّد قدرة إيران على الانفراد بأي قرار يمسّ لبنان، أما وقف إطلاق النار، فقد باتت مسؤوليته تقع على عاتق طهران بالدرجة الأولى.
مساران وورقة نوايا تمهد لزيارة عون
يصل الوفد العسكري اللبناني إلى واشنطن اليوم الإثنين. وكشفت مصادر دبلوماسية في واشنطن أن “الوفد العسكري اللبناني سيشارك في اليوم الأول من الجولة الخامسة للمفاوضات إلى جانب الوفد الدبلوماسي في جلسة افتتاحية مشتركة تطرح المسارين العسكري والدبلوماسي، قبل أن ينفصل المساران حيث يلتقي الوفدان العسكريان اللبناني والإسرائيلي في غرفة مستقلة، فيما يواصل الوفدان الدبلوماسيان نقاشاتهما في غرفة أخرى. ويُخصَّص اليوم الثاني أي الأربعاء بالكامل للمسار العسكري، واليوم الثالث أي الخميس للمسار السياسي الدبلوماسي”.
على المسار العسكري، لا تتوقع المصادر أي اختراق، إلا إذا قرر الجانب الأميركي فرض مقترح بعينه على بيروت وتل أبيب. فالوفد العسكري اللبناني متمسك بثوابته، وفيها رفض الانتشار العسكري قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب الليطاني، واشتراط وقف إطلاق النار، ورفض أية مواجهة مع عناصر “حزب الله“.
وفيما يتوقع أن يتم البحث بالبند المتعلق بتفكيك البنى التحتية لسلاح الحزب ينتظر أن يخضع موضوع المنطقة التجريبية للنقاش السياسي أيضاً. وفي هذا الإطار، كشفت مصادر دبلوماسية أن رئيس مجلس النواب نبيه بري قدّم تعديلات على مسودة النقاش من الجولة السابقة، تقضي باعتماد الأقضية وحدةً جغرافية للانسحاب الإسرائيلي التدريجي بدلاً من المناطق الصغيرة ضمن مبدأ المنطقة التجريبية، وقد قرأت واشنطن هذا الاقتراح باعتباره مناورة لشراء الوقت وإعادة المفاوضات إلى نقطة الصفر، ريثما تنتهي جولة سويسرا، فيُقدَّم الحل هدية تفاوضية لطهران.
وعلى المسار الدبلوماسي، يُتوقع أن تتركز الجلسات على استكمال النقاش في ورقة إعلان النوايا بين الطرفين، وهي الجبهة الوحيدة التي يملك فيها الفريق السياسي اللبناني هامشاً للتقدم، وقد تمهّد لزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن في المرحلة المقبلة.
وتكشف المصادر الدبلوماسية أن هذه الورقة ستكون على غرار مذكرة التفاهم الثلاثية التي أُعلن عنها عقب الجولة الأخيرة، لكنها ستكون أكثر مراعاةً للموقف اللبناني، وستشكّل المظلة السياسية والإطار الناظم لأي ترتيب أمني مشترك مستقبلي مع إسرائيل. وتتضمن الورقة إنهاء حال العداء بين الطرفين، والتعهد باستكمال محادثات التفاهم، وتبادل الالتزامات للمرحلة المقبلة، من دون أن ترقى إلى مستوى اتفاق سلام، بل تندرج في إطار ما يُعرف بـ”اتفاق عدم اعتداء” “Non Agression Agreement”. وتشدد المصادر على أنه في أي اتفاق مستقبلي، سيكون للدولة اللبنانية والجيش اللبناني الدور المحوري في ترجمة الترتيبات الأمنية المشتركة، بما يكفل سيادة لبنان من جهة، وأمن الحدود الشمالية لإسرائيل من جهة أخرى.
الفصل بين المسارين: إنجاز شكلي أم وهم استراتيجي؟
وبالعودة إلى السؤال الملح حول حقيقة استقلالية المسار التفاوضي اللبناني عن الإيراني في سويسرا فإن الإجابة الصادقة بحسب محللين كثر، هي أن لبنان الرسمي نجح جزئياً في الشكل، وأخفق جوهرياً في المضمون.
صحيح أن المسار التفاوضي اللبناني يسير في واشنطن بخطواته الخاصة وجداوله الزمنية المستقلة، وهذا إنجاز لا يُستهان به. لكن حضور الملف اللبناني على طاولة” بورغنشتوك” بوصفه شرطاً إيرانياً لاستمرار مفاوضات سويسرا، وربط مصير مضيق هرمز بمصير الغارات الإسرائيلية على لبنان، يكشف أن المسارين ليسا منفصلين بالقدر الذي أُريد له أن يبدو.
فمآلات المفاوضات اللبنانية، من سرعة الانسحاب الإسرائيلي إلى آليات الرقابة المقترحة إلى مصير سلاح “حزب الله”، قد تتوقف جزئياً على ما ستتفق عليه واشنطن وطهران في الملف النووي وفي هرمز. وبعبارة أوضح: إذا تعثّرت المفاوضات الإيرانية – الأميركية أو انهارت، فلا ضمانة أن يمضي المسار اللبناني في طريقه المستقل كما لو أن شيئاً لم يكن.
غير أن هذا لا يعني أن فكرة الفصل كانت خاطئة في أصلها. فهي كانت ضرورة سياسية لحماية الموقف اللبناني من الابتزاز، ولمنع طهران من استخدام بيروت رقماً في حساباتها التفاوضية. لكنها ظلت، في نهاية المطاف، أمنية دبلوماسية أكثر منها واقعاً استراتيجياً، فلبنان لا يزال حلقة في منظومة إقليمية أكبر منه، وورقة تُقلَّب على طاولات لا يجلس إليها ومع ذلك، يرى كثيرون أن هذه الحقيقة لا تُسقط الرهان، بل تحدّد شروطه، على لبنان ألا يكتفي بدور الجسر الذي تعبر عليه إيران نحو مكاسبها الكبرى، بل أن يكون طرفاً فاعلاً يُحصل من هذا الملف أعلى ما يمكن تحصيله لسيادته وأمن أراضيه.
لبنان ورقة عاجلة بقيمة ورقة هرمز
لا يتردد الباحث السياسي محمد قواص في تأكيد أن الملف اللبناني حاضر فعلياً على طاولة مفاوضات سويسرا، مستنداً إلى أنه بند صريح في مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان. ويرى قواص أن لبنان ورقة آنية داهمة، تعادل في إلحاحيتها ورقة مضيق هرمز، وتفرض نفسها على الطاولة بالقوة ذاتها، فيما يمكن تأجيل الملفات الأخرى. ويتوقع أن تسعى واشنطن إلى تحويل الملف اللبناني إلى مسألة عرضية تُحال إلى مفاوضاتها مع إسرائيل، في حين تحرص طهران على انتزاع اعتراف بأنها تملك القرار في لبنان، وهو ما يعزز موقعها التفاوضي في الجولات المقبلة.
ويصف قواص جلسات سويسرا بأنها امتحان حقيقي لمرونة الطرفين الأميركي والإيراني، في ظل معادلة بالغة الحساسية: فسمعة طهران وصلابة محورها وحجم نفوذها في لبنان باتت مرهونة بمدى استعداد واشنطن للرضوخ للشرط الإيراني. وفي هذا السياق، يقرأ قواص في الانتقادات غير المسبوقة التي أطلقها ترمب ونائبه جي دي فانس على إسرائيل أخيراً، دلالة على حجم الحاجة الأميركية الملحّة لتذليل عقبة لبنان وتمرير مذكرة تفاهم يُفترض أن توفر هدوءاً لمدة شهرين. ويتوقع أن يستجيب بنيامين نتنياهو لهذا الضغط ويُهدّئ الجبهة اللبنانية، مقابل مكاسب يحصل عليها من إدارة ترمب، مُظهراً في الوقت ذاته قدرته على الإمساك بملف بات شديد الأهمية لكل من واشنطن وطهران.
أما عن سؤال ما إذا كانت مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل قد تحولت إلى مسار ثانوي، فيُسرع قواص إلى النفي، فهو يعتبر أن الجولات التفاوضية المباشرة برعاية أميركية تمثل المخرج الأمثل لواشنطن، والحل الموازي لمعضلة لبنان، وتشكل سباقاً حقيقياً خلال 60 يوماً لترجيح خيار بيروت واشنطن على خيار طهران “حزب الله”، بل يذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن هذه المفاوضات قد تكون مخرجاً لنتنياهو نفسه، في حال أجبرته واشنطن على وقف عملياته ضد الحزب. ويختم بتأكيد جوهري أن أي اتفاق بين لبنان وإسرائيل بدعم أميركي ودولي من شأنه أن يُضعف موقف طهران إقليمياً ودولياً، ويُقلّص هامش نفوذها في المشهد اللبناني.
المسار الإيراني أوقف الحرب لكنه لم يحقق الانسحاب
لا يخفي العميد الدكتور رياض قهوجي، مدير مؤسسة “الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري”، أن التداخل بين المسارين اللبناني والإيراني أمر موضوعي لا جدال فيه، مستنداً إلى حقيقة يُقر بها “حزب الله” وقياداته أنفسهم مفادها بأن الحزب سلاح الحرس الثوري الإيراني، لا أكثر ولا أقل، غير أن قهوجي يثمن في الوقت ذاته السعي الأميركي – السعودي – الإسرائيلي والعربي المتعدد الأطراف لفصل المسار اللبناني عن الإيراني وانتزاع ورقة لبنان من يد طهران، إلا أن المشكلة أن إيران لا تزال تصر على إبقاء الحزب، لأن لبنان هو الساحة التي تضغط منها على إسرائيل. وحتى في أحلك الظروف، تسعى طهران إلى إبقاء الحزب حياً ولو في حال ضعف، على أمل أن تتبدل الأحوال فتُعيد إحياءه وتقويته، فالنظام الإيراني يُحسن قراءة المدى الطويل ويُتقن الصبر الاستراتيجي.
ويرفض قهوجي بصورة قاطعة السردية الرائجة عن وجود تيارين متعارضين في إيران، إصلاحي يسعى إلى التسوية ومتشدد يعرقل المفاوضات، ويؤكد أن هذه الصورة مضلّلة، إذ لا يوجد في إيران سوى مركز قرار واحد هو مركز خاتم الأنبياء، يضم كل الأجهزة تحت سقف واحد، برئاسة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وما يبدو تعارضاً بين أجنحة ليس سوى تكتيك في خدمة استراتيجية موحدة.
وفي ما يخص جوهر المسألة، يُشدد قهوجي على أن المسار التفاوضي اللبناني هو وحده القادر على معالجة ملف سلاح “حزب الله” بتفاصيله الحقيقية، لأن إسرائيل لن تنسحب كلياً من لبنان ما دام الحزب يحتفظ بصواريخه وترسانته، أما المسار الإيراني فقد أوقف الحرب، لكنه لم ينجح ولن ينجح في انتزاع انسحاب إسرائيلي، والدليل القاطع أن إيران ذاتها قبلت الجلوس إلى طاولة سويسرا من دون أن تشترط الانسحاب مسبقاً، وما تسوقه طهران اليوم من أنها هي من يضغط لإخراج القوات الإسرائيلية من الجنوب ليس سوى سردية للاستهلاك، لأن هذا الانسحاب لن يتحقق إلا عبر اتفاق لبناني -أميركي، وهو بالضبط ما تسعى إليه الإدارة الأميركية.
ويختم قهوجي بتقدير ميداني واضح “المفاوضات اللبنانية -الإسرائيلية ستتواصل ولن تتوقف، وقد تسير في أجواء أهدأ من الجولات السابقة”، لكنه يُبقي الباب مفتوحاً أمام سيناريو العودة إلى الحرب بعد انقضاء مهلة 60 يوماً، محذراً من استبعاد هذا الاحتمال قبل الأوان.
حراك السفيرة اللبنانية
وكانت كثفت سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض تحركاتها الدبلوماسية واتصالاتها السياسية في واشنطن منذ الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار مسعى الدولة اللبنانية، ممثلةً برئيس الجمهورية جوزاف عون، لضمان حضور لبنان الرسمي في أي نقاشات أو مشاورات أو تفاهمات تتصل بمستقبله أو تنعكس على أوضاعه الداخلية.
وبحسب مصادر مطلعة، شددت السفيرة، خلال لقاءاتها مع مسؤولين أميركيين، على ضرورة أن تكون الدولة اللبنانية شريكاً أساسياً في أي مسار يتعلق بلبنان، مؤكدة أن أي مقاربة الملفات اللبنانية تستوجب التنسيق المباشر مع عون، واحترام سيادة لبنان واستقلال قراره الوطني. وأضافت المصادر أن هذه الجهود أسهمت في تعزيز مستوى التواصل والانخراط الأميركي مع الرئيس عون، بما يعكس قناعة داخل الإدارة الأميركية بأن أي ترتيبات أو تفاهمات مرتبطة بلبنان لا يمكن أن تنجح من دون شراكة مباشرة مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية.
- إندبندنت
























