بينما كانت قناة المشهد تعلن عن بثّ حديث تستضيف فيه الشرع، أذاعت قناة فوكس نيوز تصريحات لترامب يقول فيها: “نناقش تمكين الرئيس السوري أحمد الشرع من الدخول إلى جنوب لبنان ومواجهة حزب الله”. تصريح ترامب لم يكن الأول في هذا الاتجاه، وكان في تصريح مماثل قد قال إنه هو وأردوغان وآخرين مَن وضعوا الشرع في مكانه الحالي، وهذه أيضاً لم تكن المرة الأولى التي يشير فيها إلى دور له في التغيير ضمن سوريا، مُستَغلّاً الإشارة للتلميح بقدرته على دفع الشرع للتدخل في لبنان.
الأخير، في لقائه مع قناة المشهد، تحاشى الاصطدام مع تصريحات ترامب حول التدخل في لبنان، وقال إنها فُهِمت خطأ، ليكون ذلك توطئة لإعلان عدم رغبته في التدخل العسكري في لبنان. هكذا يبقى موضوع التدخل غير محسوم بين “نعم” ترامب و”لا” الشرع. الأهم أن عدم الحسم هذا قد يرخي بظلّه طوال المدة المقبلة التي سيكون فيها مصير سلاح حزب الله موضوعاً على طاولة التفاوض، أو على طاولة العسكر في الحكومة الإسرائيلية.
لن تؤخذ “نعم” ترامب على نحو قاطع، لا بسبب الاستخفاف بأقواله ومزاجيته، بل أيضاً لأن السياسة عالم متحرّك، وما يُقال في وقت قد لا يبقى سارياً بعد أيام أو ساعات. ذلك ينطبق أيضاً على أقوال الشرع، بصرف النظر عن تفضيلاته، إذ قد تتغير المعطيات والأقوال، وربما تتغير ربطاً بضغوط أقوى من أن تُقاوَم. أيضاً هذا في العموم، بصرف النظر عن أجندات تل أبيب التي قد لا تتفق مع “نعم” ترامب.
يحضر التبسيط الترامبي بقوة وفق تبريره لتدخل الشرع، فنتنياهو عجز عن القضاء على الحزب، ويريد إيكال المهمة للشرع. كأن نتنياهو نفسه مجرد أداة يمكن الإتيان ببديل لها بسهولة. أو كأن الشرع قادر على إرسال قواته إلى لبنان بغياب الموافقة الإسرائيلية، ومن النافل التذكير بأن حركة قوات الأسد في لبنان كانت محكومة بخطوط حمراء إسرائيلية لا تتجاوزها.
تبسيط مماثل له حظ واسع من الرواج، مفاده وجود تحفُّز سوري لمهاجمة حزب الله، في البيئة التي تضررت من مشاركة الحزب في حرب الأسد على الثورة السورية. التحفّز، من وجهة النظر هذه، يخدم فكرة الزجّ بقوات سورية للقضاء على الحزب، ضمن تفاهمات محدودة تقبل بموجبها تل أبيب بأن يتدخل الذين يريحونها من عبء حرب برية ضد الحزب. في الواقع هناك نسبة كبرى من أعداء الحزب في سوريا لا تريد التدخل عسكرياً ضده، على الأقل ليس الآن بالنسبة لأنصار السلطة الجديدة، أولئك الذين يرون تقويتها وتمكينها في سوريا أولوية الأولويات، على أمل أن تحين فرصة أنسب للثأر من الحزب.
والكلام عن تدخل سوري راهناً يستدعي المقارنة بين حالتين من التدخل عبر الحدود، أولهما دشّنت ما سُمّي بعهد الوصاية السورية، وفي المرة الثانية تدخل الحزب تحت المظلة الإيرانية لدعم الأسد. في تحليلات متأخرة برزت فرضية الموافقة الإسرائيلية على انخراط الحزب في سوريا بهدف إضعافه، وأيضاً بهدف انكشافه استخباراتياً، وقد حصدت إسرائيل النتائج لاحقاً. أما فيما يخص عهد الوصاية، فمن المؤكد أنها قوّت الأسد إقليمياً، وفي الوقت نفسه صار مستغنياً عن الداخل السوري الذي راح يغرق في أزمات متتالية.
اليوم ربما يكون هناك مَن يتمنى تدخلاً للشرع في لبنان، على غرار تدخل الحزب في سوريا، أي ضمن مهمة محددة لا ينقصها خبث التطلع إلى خسارة الطرفين المتحاربين. إلا أن التدخل على غرار الأسد ليس وارداً اليوم، فقبل نصف قرن لم تكن إيران حاضرة في لبنان والعراق كما هي الآن، وكانت تركيا غارقة في أزمات داخلية سياسية واقتصادية، بحيث لم يكن لها سياسة إقليمية مستقلة عن سياسة حلف الناتو. أما قادة تل أبيب فلم يكونوا أسرى نشوة التفوق العسكري كما هم في السنوات الأخيرة، ولم يكونوا يتطلعون إلى السيطرة والنفوذ الإقليميين كما هو الحال الآن.
التعقيدات الإقليمية لا تحدّ فقط من الدور السوري العسكري في لبنان، بل تحدّ أيضاً مما ذكره الشرع في لقائه التلفزيوني عن امتلاكه “أدوات كثيرة للتأثير الإيجابي في لبنان”. فالاستقرار أو عدمه في لبنان شأن يفوق إمكانيات السلطة السورية الحالية، وكان العهد السابق عليها قد أُقصي، برغم امتلاكه إرثاً من العلاقات بين الطبقة السياسية اللبنانية، وإرثاً مخابراتياً بسبب نشاط أجهزته في لبنان لمدة عقود.
لقد قدّم الشرع في لقائه التلفزيوني ما يمكن النظر إليه كإعراب عن نوايا طيبة إزاء لبنان، حتى أن اللقاء بأكمله بدا مكرَّساً لإيصال هذه الرسالة في هذا التوقيت. وسيكون من الجيد التأكيد في المدى المنظور على تجاوز إرث التدخل العسكري عبر الحدود بين البلدين، أما التطلّع إلى ما هو أبعد فهو غير متاح للطرفين. لذا أتى حديث الشرع عن صورة بديلة مناقضة، صورة التنمية المشتركة المقترنة بالسلام، كأنه ينتمي إلى الأمنيات أكثر من الواقع.
يجب التحلّي بالكثير من حسن النية لتخيُّل مستقبل قريب تخلو فيه العلاقات السورية-اللبنانية من المنغّصات، والشرع نفسه أشار إلى تأجيل ترسيم الحدود، لأن الترسيم (على سبيل المثال) سيثير خلافات ليس وقتها الآن. مع تذكيرنا بأن غياب الترسيم استغلته تل أبيب بعدم انسحابها من مزارع شبعا التي راح يطالب بها حزب الله لكونها لبنانية، بينما تدّعي إسرائيل أنها سورية. إنه مجرّد مثال صغير وبسيط عن تفاصيل يمكن استغلالها بسهولة من طرف ثالث، إذا صحّت نوايا الطرفين اللبناني والسوري، فلم يخضع أحدهما أو كلاهما لضغوط إقليمية أو دولية تؤثر على علاقته بالآخر.
ما سبق لا علاقة له بالتفاؤل أو التشاؤم، وإنما بقراءة المسار العام في المنطقة والعالم، المسار الذي لا يبدو أنه ذاهب في انعطافة دراماتيكية نحو السلم والاستقرار. في المقابل من الصراع بين القوى الدولية والإقليمية الكبرى لا يوجد وعي عام للمصالح يدفع بمنطقة شرق المتوسط إلى تجاوز الصراعات البينية ضمن كل بلد أولاً، ولا توجد أرضية اقتصادية تدعو إلى التفاؤل بتغلّب المصالح على الإرث الدامي، بل لا توجد مؤشرات حقيقية على أن التدهور الاقتصادي قد توقف أخيراً.
الخبر الجيد أن اللوحة الإقليمية العامة ترجّح بقوة عدم حدوث تدخل عسكري سوري في لبنان، وهذا ليس بالقليل، لأن الخيار المعاكس سيفاقم على نحو كارثي الأزمات الماثلة في البلدين. الخبر الجيد الآخر أن عدم التدخل يغلق أبواب استقواء لبنانيين بسوريا على لبنانيين آخرين، مثلما يغلق باب الاستقواء بالنفوذ السوري الإقليمي على السوريين قبل غيرهم.
- المدن
























