منذ استقلال البلدين، لم تكن العلاقة السورية – اللبنانية علاقة طبيعية بين دولتين جارتين فحسب، بل كانت في كثير من الأحيان انعكاساً لاختلال عميق في موازين القوة والرؤية السياسية. فعلى امتداد نحو خمسة عقود من حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد، اتسمت العلاقة بنمط واضح من التبعية السياسية اللبنانية لدمشق، وتحوّلت سوريا إلى لاعب مباشر في أدق تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، من تشكيل الحكومات وانتخاب الرؤساء إلى إدارة التوازنات الداخلية والصراعات بين القوى المختلفة.
اليوم، وبعد التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا وسقوط نظام الأسد وصعود الرئيس أحمد الشرع، يبدو أن دمشق تحاول تقديم مقاربة مختلفة تماماً للعلاقة مع لبنان. فالتصريحات الأخيرة للشرع بشأن لبنان لا تعكس فقط رفضاً لفكرة التدخل العسكري السوري، بل تحمل أيضاً محاولة واعية للقطيعة مع إرث سياسي ثقيل حكم العلاقة بين البلدين لعقود طويلة.
النيات السياسية وحدها لا تكفي لبناء علاقة جديدة ومتوازنة بين دمشق وبيروت. فهناك مجموعة من العقبات البنيوية والسياسية تجعل هذا التحول أكثر تعقيداً مما يبدو عليه في الخطاب الرسمي.
وحين يؤكد الشرع أن سوريا لا تنوي التدخل عسكرياً في لبنان، وأن دورها ينبغي أن يقتصر على دعم الاستقرار وتقوية مؤسسات الدولة اللبنانية، فإنه يوجه رسالة مزدوجة: الأولى إلى اللبنانيين بأن زمن الوصاية السورية قد انتهى، والثانية إلى المجتمع الدولي بأن سوريا الجديدة تريد أن تتقيد بمعايير الدولة الطبيعية لا بمعايير النظام الذي حكمها سابقاً.
وهذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في ظل الجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول إمكانية إسناد مهمة مواجهة حزب الله إلى دمشق. فالرئيس السوري لم يكتفِ برفض الفكرة، بل شدد على أن الحل يكمن في الحوار ودعم المؤسسات اللبنانية، لا في فتح جبهة عسكرية جديدة قد تدفع البلدين إلى دوامة من الصراعات التي يحاولان الخروج منها منذ سنوات.
غير أن النيات السياسية وحدها لا تكفي لبناء علاقة جديدة ومتوازنة بين دمشق وبيروت. فهناك مجموعة من العقبات البنيوية والسياسية تجعل هذا التحول أكثر تعقيداً مما يبدو عليه في الخطاب الرسمي.
العقبة الأولى تتمثل في الإرث الثقيل الذي خلفه تدخل حزب الله في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد. فبالنسبة إلى قطاع واسع من السوريين، لا يزال الحزب مرتبطاً بواحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ البلاد الحديث. ورغم أن الشرع أبدى استعداداً للحوار مع الحزب إذا كان ذلك يخدم مصلحة لبنان وسورية، فإن تجاوز جراح السنوات الماضية لن يكون أمراً سهلاً، سواء على المستوى الشعبي أو السياسي.
أما العقبة الثانية فتتمثل في السياسة الإسرائيلية العدوانية تجاه البلدين. فإسرائيل لا تنظر إلى سوريا ولبنان باعتبارهما ملفين منفصلين، بل كساحة أمنية مترابطة. ومن هنا فإن أي محاولة لبناء استقرار مشترك أو تعاون اقتصادي بين دمشق وبيروت تبقى عرضة للتقويض بفعل الضربات العسكرية والتوترات الأمنية المستمرة. والمفارقة أن إسرائيل نفسها أبدت قلقاً من الطروحات الأميركية المتعلقة بإسناد دور أمني لسورية داخل لبنان، لأنها تدرك أن أي إعادة رسم للتوازنات الإقليمية قد تنتج واقعاً جديداً لا تستطيع التحكم به بالكامل.
العقبة الثالثة تتعلق بالضغوط الأميركية. صحيح أن كثيراً من المراقبين يشككون في جدية تصريحات ترامب بشأن تدخل سوري ضد حزب الله، لكن مجرد طرح هذه الأفكار يعكس رغبة أميركية في توظيف النفوذ السوري المستجد داخل معادلات الأمن الإقليمي. وهنا يواجه الشرع اختباراً بالغ الحساسية: كيف يحافظ على علاقاته مع واشنطن والدول الغربية من دون أن يتحول إلى أداة لتنفيذ أجندات خارجية داخل لبنان؟ فنجاحه في بناء نموذج جديد للعلاقة مع بيروت يتطلب مقاومة إغراءات العودة إلى دور “الوصي” حتى لو جاء هذه المرة بطلب أو تشجيع دولي.
لكن العقبة الأعمق ربما لا تكمن في دمشق، بل في بيروت نفسها. فجزء كبير من الطبقة السياسية اللبنانية نشأ وترعرع داخل منظومة سياسية اعتادت نمط “التابع والمتبوع” في العلاقة مع سوريا. بعض القوى كانت تستقوي بدمشق ضد خصومها، فيما كانت قوى أخرى تبني مشروعيتها على معاداة دمشق. وفي الحالتين لم تتطور ثقافة سياسية قائمة على الندية الكاملة بين الدولتين. لذلك فإن الانتقال إلى علاقة متوازنة يحتاج إلى تغيير في الذهنية السياسية اللبنانية بقدر ما يحتاج إلى تغيير في السلوك السوري.
إذا نجحت دمشق وبيروت في تجاوز إرث الماضي، فقد يكونان أمام فرصة نادرة لبناء نموذج جديد في العلاقات العربية يقوم على احترام السيادة والمصالح المتبادلة.
ورغم كل هذه التحديات، فإن الفرصة المتاحة اليوم ربما تكون تاريخية. فالرئيس الشرع يتحدث عن الاقتصاد والتكامل والتنمية أكثر مما يتحدث عن الأمن والنفوذ. وهو يطرح رؤية ترى في بيروت منفذاً بحرياً لدمشق وفي طرابلس امتداداً اقتصادياً لحمص، لا ساحات نفوذ أو مناطق نفوذ متنازع عليها. كما أن البلدين يواجهان تحديات اقتصادية ضخمة تجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع.
والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت سوريا الجديدة تريد علاقة مختلفة مع لبنان، فالمؤشرات الحالية توحي بأنها تريد ذلك بالفعل. السؤال هو ما إذا كانت القوى الإقليمية والدولية، وكذلك النخب السياسية في البلدين، مستعدة للتعامل مع هذه العلاقة الجديدة بمنطق الشراكة لا بمنطق الوصاية أو التبعية.
فإذا نجحت دمشق وبيروت في تجاوز إرث الماضي، فقد يكونان أمام فرصة نادرة لبناء نموذج جديد في العلاقات العربية يقوم على احترام السيادة والمصالح المتبادلة. أما إذا عادت الحسابات القديمة، أو خضع البلدان لتدخلات خارجية، فإن العلاقة قد تجد نفسها مرة أخرى أسيرة تاريخ طويل من الصراعات التي دفع الشعبان السوري واللبناني أثمانها الباهظة.
























