في الأول من آذار عام 2003، وقفت الحكومة التركية أمام اختبار سياسي من العيار الثقيل. كانت الولايات المتحدة تستعد لغزو العراق، وأرادت استخدام الأراضي التركية منطلقاً رئيسياً لعملياتها العسكرية. كانت الضغوط الأميركية كبيرةً.. وكانت العلاقات الاستراتيجية بين البلدين متينة، والمصالح الاقتصادية والعسكرية المشتركة ضخمة. ومع ذلك، لم تتخذ الحكومة التركية القرار وحدها، وإنما أحالت الأمر إلى البرلمان.
هناك، وبعد نقاشات طويلة وحادة، صوّت البرلمان التركي ضد الطلب الأميركي. فوجئ العالم، وانزعجت واشنطن، لكن أحداً لم يستطع تجاوز القرار. لم يكن أمام الولايات المتحدة إلا أن تقبل بما أفرزته المؤسسات التركية، وأن تبحث عن بدائل أخرى. لم يكن ذلك الرفض موجهاً ضد أميركا بقدر ما كان انتصاراً لفكرة الدولة المؤسسية؛ الدولة التي لا تُدار فقط من خلال السلطة التنفيذية، وإنما من خلال منظومة متكاملة تتقاسم المسؤولية الوطنية في القضايا الكبرى.
لقد منح البرلمان التركي حكومته شيئاً بالغ الأهمية: غطاءً دستورياً وسياسياً وشعبياً لم يكن ممكناً توفيره بقرار حكومي منفرد. ومن هنا يبرز السؤال السوري المشروع اليوم: أين مجلس الشعب؟
لقد انتهت الانتخابات، وأُعلنت نتائجها، وينتظر السوريون صدور القرار المتعلق باستكمال تشكيل المجلس عبر الأعضاء السبعين الذين سيجري اختيارهم ضمن الحصة الرئاسية. كما جرى الحديث سابقاً عن انعقاد المجلس في مطلع شهر حزيران، لكن الأسابيع تمضي، والمجلس لم يرَ النور بعد.
ليس في هذا السؤال أي تشكيك في القيادة أو في دوافع التأخير المحتملة. فقد تكون هناك اعتبارات تنظيمية أو سياسية أو ترتيبات يجري استكمالها بعيداً عن الأضواء. لكن السؤال يبقى قائماً لأن السوريين ينتظرون واحدة من أهم ركائز الدولة الحديثة، وليس مجرد مؤسسةٍ تقليدية.
ففي هذه اللحظة بالذات، تتكدس مشاريع القوانين، وتتحرك الحكومة في ملفات اقتصادية واجتماعية واستثمارية وإدارية واسعة، وتتقدم عملية إعادة البناء بخطوات متسارعة، فيما تبقى السلطة التشريعية غائبة عن المشهد. وهنا تظهر أهمية التمييز بين الدولة والحكومة.
فالحكومة، مهما كانت نشيطة وكفوءة، تبقى جزءاً من الدولة وليست الدولة كلها. والدول الراسخة لا تُبنى بوزارة قوية وقادةٍ متميزين وأقوياء فحسب، وإنما بمجموعة مؤسسات تعمل معاً وتوزع المسؤوليات وتمنح القرارات شرعية أوسع واستقراراً أطول أمداً.
ثمة تصور شائع يختزل وظيفة البرلمان في إصدار القوانين والمصادقة عليها. لكن التجارب الدولية تخبرنا بأن البرلمانات تؤدي أدواراً استراتيجية تتجاوز ذلك بكثير. أول هذه الأدوار يتعلق بالسياسة الخارجية والضغوط الدولية.
فسوريا اليوم تعيش في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. هناك ملفات تتعلق بالعقوبات، وإعادة الإعمار، والعلاقات مع القوى الدولية، وأمن الحدود، ومستقبل المنطقة بأكملها. وخلال الأشهر الماضية، تكررت في بعض الأوساط السياسية والإعلامية الغربية أحاديث عن رغبات أميركية برؤية دور سوري أكبر في بعض الملفات الأمنية الإقليمية، بما فيها المواجهة مع حزب الله في لبنان.
وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع دقة هذه الطروحات أو حجمها الحقيقي، فإن المبدأ السياسي يبقى واحداً: كلما امتلكت الدولة مؤسسات دستورية فاعلة، ازدادت قدرتها على المناورة وحماية قرارها الوطني.
فعندما تواجه حكومة ما ضغوطاً خارجية، تصبح عبارة: “هذا الأمر يحتاج إلى موافقة البرلمان” أداة قوة لا أداة ضعف. لأنها تمنح الدولة وقتاً ومساحة للحوار والمراجعة، وتحوّل القرار من عبء تتحمله جهة واحدة إلى مسؤولية وطنية تشارك فيها المؤسسة التشريعية.
وثاني هذه الأدوار يتعلق بالشرعية. فالحكومة السورية تعمل اليوم على إعداد خطط استراتيجية واتفاقيات ومشاريع إصلاحية كبيرة في مختلف القطاعات. لكن القرارات الكبرى التي تمس حياة المواطنين تحتاج إلى أكثر من الإرادة التنفيذية، تحتاج إلى شرعية تشريعية تمنحها قوة إضافية أمام المجتمع وأمام العالم.
والقرار الذي يمرّ عبر مؤسستين دستوريتين أقوى، بمراحل، من القرار الذي يصدر عن مؤسسة واحدة، ليس لأن الحكومة أقل كفاءة، وإنما لأن الشرعية حين تتوزع تصبح أكثر رسوخاً. أما الدور الثالث فيتعلق بالرقابة والمساءلة.
فسوريا تدخل مرحلة ستشهد تدفقات متزايدة من الاستثمارات وبرامج التعاون والمشاريع التنموية والدعم الدولي. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الرقابة المؤسسية ضرورة وطنية وليست ترفاً سياسياً. ووجود مجلس شعبٍ قادر على السؤال والاستجواب ومراجعة الأداء الحكومي يعزز الثقة بالدولة، ويحمي المؤسسات، ويساعد على تصحيح الأخطاء قبل تفاقمها. والحقيقة أن الحكومات الناجحة لا تخشى الرقابة المؤسسية، بل تستفيد منها. فالرقابة الجيدة لا تُضعف الدولة، وإنما تزيد مناعتها وقدرتها على التطور.
أما الدور الرابع، وربما الأعمق، فهو بناء الثقافة السياسية الجديدة. فقد عاش السوريون لعقود طويلة في ظل ضعف الحياة السياسية الطبيعية. واليوم، بعد كل ما جرى، تحتاج البلاد إلى فضاء مؤسسي يتعلم فيه السوريون كيف يختلفون دون أن يتخاصموا، وكيف يتنافسون دون أن يتصارعوا، وكيف يناقشون القضايا العامة ضمن قواعد واضحة ومحكومة بالقانون.
وعليه، فالبرلمان ليس فقط مكاناً لصناعة القوانين، بقدر كونه مدرسةً وطنية لصناعة التوافقات. ولعل أهمية هذه الوظيفة تزداد في مجتمع متنوع مثل المجتمع السوري، يحتاج إلى مساحات منظمة للحوار أكثر من حاجته إلى المزيد من الاستقطاب الذي نراه يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي.
إن ما يجعل مسألة انعقاد المجلس أكثر إلحاحاً ليس فقط تراكم مشاريع القوانين، بل طبيعة اللحظة التاريخية نفسها. فسوريا تعيش مرحلة تأسيسية نادرة. وما يُبنى في المراحل التأسيسية غالباً ما يترك أثره لعقود طويلة قادمة.
لهذا فإن السؤال: “أين مجلس الشعب؟” ليس سؤالاً معارضاً للدولة، وإنما هو سؤالٌ نابعٌ من الرغبة في استكمال بناء الدولة. وليس مطالبةً بمنافسة الحكومة، وإنما يمثل دعوةً إلى دعمها. وليس تشكيكاً في القيادة، بقدر كونه تعبيراً عن قناعة بأن أقوى الدول هي تلك التي تتكامل فيها المؤسسات وتتقاسم المسؤولية الوطنية.
فحين رفض البرلمان التركي الطلب الأميركي قبل أكثر من عشرين عاماً، لم يكن يدافع فقط عن قرار محدد، وإنما كان يجسد فكرة الدولة المؤسسية. أما سوريا اليوم، وهي تخوض واحدةً من أهم مراحل إعادة البناء في تاريخها الحديث، فإنها تحتاج إلى أن تكتمل صورتها المؤسسية بأسرع وقت ممكن.
فالحكومة موجودة. والرئاسة موجودة. والقضاء يستعيد عافيته تدريجياً. ويبقى أن يرى السوريون مجلس شعبهم تحت القبة، ليس باعتباره استحقاقاً إجرائياً مؤجلاً، وإنما باعتباره خطوة أساسية على طريق بناء الدولة السورية الجديدة.
- الثورة السورية























