خال بغداديون كثر أن بعض الممارسات قد بادت قبل أن تظهر مجددًا في ظل نظام بعث العراق الذي اتسمت سلوكيات رأسه والكثير من رجالاته بسمات قبل مدينية غريبة على البغداديين.
وكانت توتاليتارية ذلك النظام مشابهة لنظيراتها في أنظمة أخرى في عدة سمات من أبرزها غياب الطابع المديني بمعناه الفكري والحضاري عن شخصيات أهم قياداتها غيابًا كان سببًا من أسباب الشرخ الكبير بينها وبين شرائح واسعة من البغداديين وغيرهم من أبناء مدن عراقية أخرى.
وكانت عقود نظام بعث العراق التي بدأت بحرب طويلة، ثم حصار أطول، ثم حرب أخرى قد أحدثت دمارًا هائلًا في نسيج المجتمع العراقي وتشظيًا بين مكوناته، فضلًا عن الدمار الاقتصادي والتراجع العلمي والنزيف البشري بعد أن تحول كثير من العراقيين إلى لاجئين في أصقاع الأرض.
لا يمكن -بالطبع- أن تعفى انتهازية الغرب من جزء من المسؤولية، ولكن هذا بحث آخر لست بصدده الآن.
كان الطابع القبلي لدى الدكتاتور والذي تجلى في كل شيء بدءًا من لقبه ( أخو فلانة)، مرورًا باعتماده على ذويه، وصولًا إلى محتوى الكثير من خطاباته نافرًا، وهو ما كان يلقى صدى حسنًا لدى بيئته والبيئات المشابهة لها، وكان إذا ما أضيف إلى ضحالته الفكرية والثقافية قد ساهم في الانقسام العمودي بين أبناء تلك البيئات وبين غيرها.
مما يذكره أبناء جيلي الذين توفرت لهم متابعة التلفزيون العراقي في عقد الثمانينيات زيارات الرئيس العراقي الراحل وبعض معاونيه إلى بيوت الناس في بعض القرى والبلدات وتعامله تعاملًا عفويًا مع أهل الدار بأسئلته عن الطعام والشراب وعن قضايا معاشية أخرى ومزاحه مع كبار السن ومداعبته للأطفال.
كانت محاولة لجعل شخصية الرئيس التي حولتها قصائد شعراء السلطان وخطابات البعثيين إلى أسطورة شخصية قابلة للنزول من عليائها، وهو ما يمثل لدى البسطاء -ممن يموت أبناؤهم على الجبهات بحرب اتخذت بقرار فردي-. تعويضًا ينفع في تسكين جراحهم الغائرة وخساراتهم المروعة، فها هو الخالد الحاكم بأمره يجالسنا ويداعبنا ويتحدث معنا بلغتنا وعن تفاصيل حياتنا.
محاكاة هذا السلوك أو ما يشبهه من طرف آخرين قد لا تكون محاولة واعية ومقصودة، ولكنها تبعث على الشك بمحاولة ممارسة نفس عملية سد الفجوة بين الواقع والمأمول باستثمار ثقافة مشوهة لدى سواد الناس تنطوي على وهم علوية رأس السلطة والامتنان له -نتيجة هذا الوهم- إذا نزل من تعاليه الموهوم لكي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
- كاتب سوري


























