عاد الحديث عن دور سوري محتمل في التعامل مع ملف حزب الله إلى الواجهة، وسط تباين في الرسائل الصادرة عن الإدارة الأميركية، ففي حين كرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أكثر من مناسبة، الإشارة إلى أن نظيره السوري أحمد الشرع قد يكون “أكثر دقة” من إسرائيل في التعامل مع الحزب، وأن تدخله “قد يكون فعالاً” نظراً إلى خبرته الطويلة في قتاله.
جاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لتضع أولوية مختلفة، مؤكداً أن واشنطن شجعت السلطات السورية على التركيز على أزماتها الداخلية.
وكان ترمب قد تحدث، خلال لقائه الرئيس اللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض، عن فكرة دور سوري محتمل، من دون أن يوضح طبيعته أو الإطار الذي يمكن أن يتم من خلاله، مكتفياً بالقول إن الفكرة “مطروحة”، وإنه “يفكر في الأمر”.
في المقابل، نفى الرئيس الشرع نية التدخل العسكري في لبنان، مؤكداً أن أولوية بلاده هي إعادة الإعمار، وأن ما تسعى إليه دمشق هو “قنوات اقتصادية وليس عسكرية” مع بيروت.
وبين تصريحات أميركية متباينة، ونفي سوري رسمي، وصمت لافت من حزب الله نفسه، تتعدد القراءات حول حقيقة ما يُطرح.
“لا نية للتدخل”.. لماذا تتحفظ دمشق؟
يقول الباحث في الشأن السياسي نضال السبع، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن الرئيس الشرع “غير جاهز ولا ينوي القيام بهذه الخطوة”، لجملة من الاعتبارات الداخلية والسياسية والإقليمية، فعلى المستوى الداخلي، تبقى التنمية ودعم الاقتصاد أولوية بالنسبة إلى دمشق، ولا يرى السبع وجود أي قرار داخلي سوري باتجاه الانخراط في هذا الملف. أما تصريحات واشنطن نفسها، فيقرؤها في سياق الضغط على إيران وحزب الله، لا أكثر.
ويؤكد أستاذ القانون الدولي طارق شندب المعطى نفسه، مشيراً إلى أن الرئيس الشرع أكد، في جميع لقاءاته الإعلامية، أنه لا دور لسوريا في لبنان ولا رغبة في أي دور، حتى إنه حين سُئل عن تصريحات ترمب قال إن “الموضوع فُهم خطأ”.
ويضيف شندب أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني كرر الموقف نفسه خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان، مؤكداً لرئيس مجلس النواب نبيه بري أن سوريا ليست في وارد أي تدخل عسكري.
ويذهب الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية فراس فحام أبعد من ذلك في تفسير أسباب هذا التحفظ، معتبراً أن الإدارة السورية تدرك حجم المخاطر الإقليمية، وتحاول منذ توليها الحكم إبعاد سوريا عن نيران الحرب الدائرة في المنطقة، والتركيز بدلاً من ذلك على التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي.
ويرى فحام أن دمشق تتعامل مع تصريحات الإدارة الأميركية باعتبارها أقرب إلى أداة ضغط سياسي على إسرائيل أو حزب الله، لا طلباً جدياً لدور سوري فعلي. ويشدد على أن أي خطوة غير محسوبة قد تضر بعلاقات سوريا المتصاعدة مع دول الجوار، وهو ما يجعل الإدارة السورية أكثر حذراً في تعاطيها مع هذا الملف تحديداً.
القدرة العسكرية السورية.. هل تكفي لأي دور محتمل؟
يرى الباحث نضال السبع أن العامل العسكري بحد ذاته يحسم النقاش، إذ يذكّر بأنه بعد سقوط النظام السوري المخلوع، دمرت إسرائيل منظومات الصواريخ والدبابات والأسلحة والمدفعية بشكل شبه كامل، وبالتالي فإن الجيش السوري “غير مؤهل حتى هذه اللحظة للدخول في معركة في لبنان”.
لكن الخبير الأمني والاستراتيجي الدكتور عبد الله الأسعد يقدم قراءة مختلفة تماماً، إذ يرى أن السؤال نفسه مبني على مقارنة غير دقيقة. فالجيش القائم اليوم في سوريا هو تشكيل خرج من رحم فصائل الثورة السورية وهيئة تحرير الشام وغيرها، ولم يعتمد على العتاد الثقيل عند إسقاط النظام المخلوع. ولذلك، فإن تدمير الدبابات والمدفعية والمنظومات الثقيلة، وإن كان قد أنهى فعلياً قدرات الجيش القديم، لا يمس جوهر القوة القتالية الفعلية لهذا التشكيل الجديد.
ويذهب الأسعد إلى أن طبيعة أي مواجهة مقبلة في المنطقة لن تكون أصلاً “حرب دبابات ومدفعية”، بل حرب أسلحة خفيفة ودقيقة، وطائرات مسيّرة لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات، وقادرة على تدمير دبابة.
ويستدل الأسعد على ما يعتبره “دخولاً فعلياً” لسوريا في ملف حزب الله، وإن كان بشكل غير ميداني، بما تحقق منذ التحرير من تجفيف لمنابع تسليح الحزب، وتدمير مخازن الأسلحة، وضبط عناصر في المناطق المحاذية للحدود اللبنانية، إضافة إلى قطع خطوط التهريب البشرية واللوجستية التي كانت تصل عبر العراق وسوريا إلى لبنان.
الصمت “الإيجابي” لحزب الله
في مقابل الضجيج الأميركي والتحفظ السوري المعلن، يلتزم حزب الله صمتاً لافتاً حيال كل هذا النقاش، وهو ما يفسره نضال السبع بأنه “صمت إيجابي” مدروس، لا موقف عابر.
وبحسب السبع، ورغم أن الحزب يستمع يومياً وبشكل متكرر إلى تصريحات الرئيس الأميركي بشأن ضرورة تدخل الرئيس السوري، فإنه حريص على عدم إطلاق أي تصريح قد يستفز الشارع السوري. ويرجع ذلك إلى أن الحزب يخوض أصلاً معركة مفتوحة في الجنوب مع إسرائيل، وفي حال أضيف إليها ضغط سوري من جهة البقاع، وضغط الدولة اللبنانية من بيروت، فسيجد نفسه، بحسب تعبير السبع، “بين فكي كماشة”.
ويشير السبع إلى أن الدور السوري، إن وُجد، قد يقتصر على بُعد سياسي لاحتواء الحزب، ويرى أن ذلك سيلقى تأييداً داخلياً واسعاً، نظراً إلى الحضور التاريخي لسوريا في لبنان جغرافياً وسياسياً.
الغطاء القانوني.. وحدود السيادة
من الزاوية القانونية، يضع طارق شندب النقاش في إطاره الدستوري، مستحضراً سابقة تاريخية حين طلبت الدولة اللبنانية من جامعة الدول العربية إدخال قوات ردع عربية، شملت حينها قوات سورية بقيت بعد ذلك في لبنان بصفة قوات ردع، بناء على طلب رسمي من الحكومة اللبنانية.
لكن شندب يستبعد تكرار هذا المسار اليوم، ويرى أن أي غطاء قانوني لدور سوري محتمل لا يمكن أن يتحقق إلا عبر قرار من الحكومة اللبنانية نفسها، أو من جامعة الدول العربية، أو من مجلس الأمن الدولي، مستبعداً في المقابل أي سيناريو تتحرك فيه دمشق من تلقاء نفسها.
ويرى شندب أن ما يجري فعلياً على الحدود، من قطع طرق إمداد حزب الله القادمة عبر العراق وسوريا، وتجفيف موارده المالية المرتبطة بتصنيع المخدرات وتهريبها، “مرحّب به” لدى الحكومة والشعب اللبنانيين على حد سواء، باعتباره ضبطاً أمنياً وحدودياً.
ما وراء التصريحات.. حسابات ترمب الإقليمية
بعيداً عن التفاصيل الداخلية اللبنانية والسورية، يرى رئيس تحرير جريدة “المدن” منير الربيع أن التصريحات الأميركية المتكررة يجب أن تُقرأ ضمن مشروع أميركي أوسع بكثير من ملف حزب الله وحده.
وبحسب الربيع، تندرج هذه التصريحات ضمن استراتيجية أميركية لبناء تحالفات جديدة في المشرق العربي، في إطار سعي واشنطن إلى تطويق الصين وتغيير موازين القوى في مواجهة إيران. ومن هذا المنطلق، فإن التركيز الأميركي المتصاعد على العلاقة مع سوريا، وكذلك مع لبنان ودول الخليج، ليس مصادفة، بل استثمار مباشر في سقوط نظام الأسد، الذي كان، بحسب وصفه، “العمود الفقري للمشروع الإيراني في المنطقة”.
ويقرأ الربيع تصريحات ترمب حول دور سوري محتمل للتعامل مع حزب الله على أنها محاولة للضغط على لبنان أولاً، لدفعه إلى القيام بمهمة كبح الحزب بنفسه، وثانياً، باعتبارها جزءاً من رؤية أميركية أوسع لتكامل إقليمي يضم سوريا ولبنان وتركيا ودولاً أخرى، بحيث لا تبقى هذه الدول في حالة صدام دائم مع إسرائيل، وتتحول بدلاً من ذلك إلى ساحة مشتركة للنفوذ الأميركي ولممرات الطاقة والتجارة العالمية، كبديل عن مضيقَي هرمز وباب المندب.
ومع ذلك، يستبعد الربيع أي دخول عسكري سوري فعلي، لثلاثة أسباب يوجزها في أن دمشق لا تريد ذلك أصلاً، وأن هناك مساراً جديداً من العلاقات بين البلدين يجري تكريسه بعيداً عن منطق الوصاية القديم، وأن أولوية دمشق القصوى هي حماية الاستقرار من أجل الاستثمار وإعادة الإعمار، وهو ما سيتقوض كلياً في حال أي انخراط عسكري يفتح الباب أمام مواجهات لا تنتهي.
خلاصة.. دور سياسي-أمني لا عسكري
من مجمل هذه القراءات، تبرز صورة أقرب إلى التوافق منها إلى التناقض، رغم اختلاف الزوايا: لا وجود لنية سورية للتدخل العسكري في لبنان، سواء بحسب المعطيات السياسية أو القانونية، أو حتى وفق ما يُطرح عن الحسابات الداخلية لدمشق.
في المقابل، يبدو أن هناك ما يشبه إجماعاً على أن الدور السوري، إن وُجد أو تطور مستقبلاً، سيبقى محصوراً في بُعد أمني وحدودي.
- تلفزيون سوريا
























