لم يكن الساحل السوري، عبر التاريخ، مجرّد شريط ضيّق على المتوسّط، بل كان منفذاً بحرياً ربط سورية بمحيطها الأرحب، ومجالاً تتقاطع فيه التجارة والحركة الإقليمية. بيد أنّ العقد الماضي من الصراع السوري اختزل هذه الجغرافيا في بُعدها العسكري، فتحوّلت إلى مساحة يُنظر إليها أساساً من زاوية القوّة والنفوذ، فيما تراجعت القدرات التجارية لموانئها تحت وطأة الحرب والاعتبارات الأمنية. واليوم، مع التحوّلات السياسية والاقتصادية التي تُعيد رسم خرائط الشرق الأوسط، تدخل هذه المنطقة مرحلةً جديدةً لا تُقاس فقط بمنطق السيطرة، بل أيضاً بمنطق الوظيفة؛ فالموانئ التي اكتسبت أهمّيةً استراتيجيةً في رؤية القوى المتنافسة، باتت تُقرأ أيضاً نقاطاً محتملة للطاقة والاستثمار. ولا يعني هذا التحوّل أنّ توازنات النفوذ قد حُسمت، بل يكشف حقيقة أعمق: أنّ أهمية الساحل لم تكن يوماً في امتلاكه واجهةً على المتوسّط، وإنّما في الدور الذي يستطيع أن يؤدّيه بوصفه عقدة اقتصادية تُعيد وصل سورية بفضائها الإقليمي والدولي.
تمثّل تركيا نموذجاً مختلفاً في مقاربة الساحل السوري، إذ بنت نفوذها انطلاقاً من موقعها الجغرافي وقدرتها على ربط سورية بمحيطها التجاري واللوجستي
وإذا كانت التحوّلات الراهنة تطرح السؤال، مجدّداً، عن الوظيفة المستقبلية للساحل السوري، فإنّ السنوات الماضية كشفت موقعه في معادلات التأثير العابرة للحدود. وقد تجلّى ذلك بصورة واضحة مع التدخّل العسكري الروسي عام 2015 الذي عزّز وجود موسكو عبر قاعدة حميميم الجوية، وأيضاً عبر قاعدتها البحرية في طرطوس، ومنحها قدرة على الحضور في ملفّات إقليمية تتجاوز الساحة السورية، كما وضع الساحل ضمن توازنات القوى الاستراتيجية في المنطقة.
غير أنّ التجربة أظهرت، في الوقت نفسه، حدود المقاربة العسكرية؛ فالحضور القائم على القوّة وحدها لا يكفي لبناء نفوذ طويل الأمد، ما لم يستند إلى مصالح اقتصادية وروابط إقليمية. ومن هذا المنطلق، لم يعد الاهتمام بالساحل مرتبطاً فقط بتثبيت الحضور الأمني، بل بات يتجه نحو تموضعٍ متعدّد الأبعاد. وفي ضوء هذا، جاء الحديث عن سعي موسكو إلى إنشاء مركز لوجستي تجاري في ميناء طرطوس، رغم نفي الجهات السورية الرسمية، مؤشّراً على تحوّل طبيعة المنافسة على هذه الواجهة البحرية، حيث تتداخل الأدوات الصلبة مع الأدوار الاقتصادية المتنامية، عبر الاستثمار والموانئ والطاقة وشبكات النقل.
في المقابل، تمثّل تركيا نموذجاً مختلفاً في مقاربة الساحل السوري، إذ بنت نفوذها انطلاقاً من موقعها الجغرافي وقدرتها على ربط سورية بمحيطها التجاري واللوجستي. غير أنّ دورها لا يقتصر على الامتداد البرّي، بل بدأ يكتسب بعداً بحرياً مع زيارة قطع بحرية تركية إلى ميناء اللاذقية في يوليو/ تمّوز 2026. ويرتبط هذا التحوّل بشبكات النقل والتجارة الممتدّة عبر ولاياتها الجنوبية، ولا سيّما هاتاي وغازي عنتاب، ما يجعل الساحل السوري جزءاً محتملاً من منظومة إقليمية أوسع. ولا يعني ذلك انتقال تركيا إلى دور بحري مماثل للدور الروسي، بل يعكس توجّهاً نحو إدماج الساحل ضمن رؤيتها للترابط الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة؛ فأهمّية الميناء لا تتحدّد ببنيته التشغيلية وحدها، بل بمدى ارتباطه بالمسارات البرية والبحرية المحيطة به، وهو ما يمنح تركيا موقعاً مهماً في أيّ تصوّر لمستقبل هذه المنطقة.
انسجاماً مع هذا المسار، تنامى الحضور الاستثماري الإماراتي عبر تطوير ميناء طرطوس، في إطار توجّهات جديدة لإعادة قراءة الموانئ السورية بوصفها أصولاً اقتصادية تتجاوز وظائفها التقليدية. ففي يوليو/ تموز 2025، وقّعت سورية اتفاق امتياز لمدّة ثلاثين عاماً مع شركة موانئ دبي العالمية (DP World) لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس، باستثمار مُعلَن يقارب 800 مليون دولار، في مشروع يهدف إلى رفع الكفاءة الخدمية للميناء، وتعزيز قدرته على استقطاب حركة التجارة والخدمات المرتبطة بها. ولا تكمن أهمية الاتفاق في المشروع نفسه فقط، بل في أنّه مؤشر على إعادة تقديم الموانئ السورية واجهاتٍ اقتصاديةً يمكن أن تسهم في استعادة حضور البلاد في الاقتصاد العالمي بعد سنوات من الانكفاء والتراجع.
في هذا السياق، أشار المؤرّخ الفرنسي فرناند بروديل إلى أنّ البحار كانت عبر التاريخ فضاءات للحركة والتبادل، لا حدوداً جامدة، وهو ما يوضح أنّ قيمة الموانئ لا تكمن في بنيتها المادية، بل في قدرتها على إعادة وصل الدول بالعالم الخارجي. ومن هذا المنظور، فإنّ البلدان الخارجة من الحروب لا تحتاج فقط إلى ترميم ما خلّفته الصراعات، بل أيضاً إلى استعادة قدرتها على الاتصال وإعادة تعريف وظائف جغرافيتها لتتحوّل من مجرّد معطى ثابت إلى مصدر للقدرة والفعل.
ومن هنا، لا تقتصر أهمية الساحل السوري على قطاع الموانئ، بل تمتدّ إلى موقعه المحتمل ضمن ممرّات الربط الطاقوي، حيث أعاد طرح خطّ كركوك–بانياس تسليط الضوء على إمكانية أن تؤدّي سورية دوراً في وصل العراق بالأسواق البحرية. وقد أُعلنت مذكّرات تفاهم لإعادة تأهيل الخطّ وتشغيله، وإعداد الدراسات الفنّية والمالية اللازمة، فيما اعتبرت واشنطن المشروع بنية تحتية ذات أهمية استراتيجية، مع استهداف طاقة تشغيلية تصل إلى مليوني برميل يومياً بعد استكمال التأهيل. ورغم ارتباط التنفيذ بتحدّيات سياسية وأمنية، تكشف عودة الخطّ إلى دائرة الاهتمام أنّ قيمة الساحل السوري لا تكمن في الموانئ وحدها، بل بقدرته على أن يكون جزءاً من شبكات الطاقة التي تنقل موارد دول الجوار إلى البحر المتوسط.
كما تتجاوز أهمية الساحل السوري وظيفة العبور والنقل؛ لتشمل أدواراً مرتقبة في تعزيز موقع سورية ضمن الاقتصاد الإقليمي. ففي مايو/ أيار 2026، وقّعت “قطر للطاقة” مع “توتال إنرجيز” و”كونوكو فيليبس” والشركة السورية للبترول مذكّرة تفاهم لتقييم الإمكانات النفطية والغازية في بلوك بحري قبالة الساحل. وعلى الرغم من أنّ الاتفاق في مرحلة التقييم والدراسات الفنّية، يضع المياه السورية، مرّة أخرى، ضمن خريطة استكشافات شرقي المتوسّط، بوصفها مجالاً محتملاً للاستثمار في قطاع النفط والغاز.
هل يبقى الساحل السوري ساحةً تتقاطع فيها خرائط النفوذ، أم يستعيد دوره بوصفه فضاءً للإنتاج والاتصال؟
كما أنّ موقع لبنان يمنح استعادة دور الموانئ السورية انعكاسات تتجاوز حدودها؛ إذ أعادت بيروت ودمشق تفعيل أطر التعاون في النقل والتبادل، بما فيها آليات التنسيق المتعلّقة بحركة البضائع والربط بين المرافئ، ضمن جهود تنشيط لجان النقل المشتركة. ويجعل هذا لبنان شريكاً لوجستياً مرجّحاً في إعادة وصل الساحل السوري بشبكات الحركة الاقتصادية في المشرق العربي، عبر تكامل الأدوار بين المنافذ البحرية وسلاسل الإمداد.
صفوة القول، خصوصية الساحل السوري في أنّه لم يستمدّ أهمّيته يوماً من مساحته أو موارده فقط، بل من قدرته على تحويل البحر من حدٍّ جغرافي إلى طريق حيوي للحركة والتبادل. فمن هذه السواحل أبحر الكنعانيون في المتوسّط، وأقاموا شبكة من الموانئ والتجارة جعلت مدنهم مراكز حضارية مؤثّرة تتجاوز حدودها الضيقة. واليوم، وبعد قرون، يعود السؤال بصيغة مختلفة: هل يبقى الساحل السوري ساحةً تتقاطع فيها خرائط النفوذ، أم يستعيد دوره فضاءً للإنتاج والاتصال؟ فالجغرافيا لا تمنح الدول مكانتها تلقائياً؛ إنّها توفّر الإمكان ليس إلّا، أمّا تحويل هذا الإمكان إلى قوّة فعلية، فيتطلّب دولة قادرة على بناء المؤسّسات، وإدارة المصالح المتنافسة، ووضع رؤية مستدامة تجعل من الموقع الجغرافي رافعةً للتنمية. فالموانئ لا تصبح محرّكات اقتصادية بمجرّد امتلاكها واجهةً بحريةً، بل في قدرتها على الاندماج في اقتصاد إقليمي مترابط، وعندها فقط تستعيد الجغرافيا وظيفتها ومعناها.
- العربي الجديد
























