عندما ينهار نظام سلطوي أو يفضي نزاع مسلح إلى انتقال سياسي، كثيرًا ما تتعامل السلطات المؤقتة مع تشكيل الأحزاب السياسية بوصفه مسألة إدارية تتولى السلطة التنفيذية إدارتها، بدلًا من اعتباره مسألة قانونية تحكمها معايير دولية. غير أنَّ هذا التأطير غير سليم من الناحية التحليلية. فبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يحظى الحق في تنظيم الأحزاب السياسية بالحماية من خلال حرية تكوين الجمعيات المنصوص عليها في المادة 22، وضمانات المشاركة السياسية الواردة في المادة 25. وقد اعتبرت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أنَّ حريتي تكوين الجمعيات والتجمع السلمي من الشروط الأساسية للمشاركة الفعلية، واعترفت صراحة بدور الأحزاب السياسية في الشؤون العامة والانتخابات. ولا يتوقف سريان أي من هاتين الحمايتين لمجرد حدوث انتقال سياسي. كما أنَّ إعلان حالة طوارئ رسمية لا يُخرج تنظيم الأحزاب من نطاق العهد، إذ يجب أن يستوفي أي تدبير استثنائي يُتخذ بموجب المادة 4 شروط الضرورة الصارمة، وعدم التمييز، والاتساق مع الالتزامات الدولية الأخرى.
وتكتسب الأحزاب أهميتها من قدرتها على تحويل الآراء السياسية المتفرقة إلى مشاركة منظمة؛ فهي تجمع المصالح، وترشح المتنافسين، وتوفر آلية مشروعة للتنافس على السلطة العامة. ومن ثم، فإنَّ أي مرحلة انتقالية تؤخر تشكيل الأحزاب أو تقيده يُبقي السلطة السياسية مركزة في المؤسسات المؤقتة التي أُنشئت قبل أن تتاح للمواطنين فرصة التنظيم والمشاركة السياسية الفعالة.
وتتمثل نقطة الانطلاق في وضع قانون انتقالي للأحزاب في تفكيك ما يُشار إليه، على نحو فضفاض، بمفهوم «التشكيل» إلى مراحل تنظيمية متمايزة تشمل: التأسيس بوصفه جمعية سياسية طوعية، واكتساب الشخصية القانونية، والاعتراف لأغراض المشاركة الانتخابية، والأهلية للحصول على التمويل العام أو وقت البث في وسائل الإعلام العامة أو غير ذلك من المزايا الانتخابية. ولكل مرحلة غايتها الخاصة ومتطلباتها الملائمة لها. فاشتراط مستوى مرتفع من التأييد الانتخابي لمجرد الوجود بوصفه جمعية يفرض، من دون ضرورة، عبئًا على الحقوق المكفولة بموجب المادة 22. وفي المقابل، لا يمنح السماح لجمعية بالوجود حقًا تلقائيًا في الحصول على الأموال العامة أو إدراج اسمها في ورقة الاقتراع. وعندما تدمج التشريعات الانتقالية هذه المراحل في عملية موافقة واحدة، فإنَّها تنشئ خطرًا كبيرًا يتمثل في فرض تنظيم غير متناسب، إذ تحوّل ما ينبغي أن يكون نظامًا متدرجًا للحقوق والالتزامات إلى نقطة قرار واحدة تخضع لتقدير السلطة التنفيذية.
وتكتسب الأحزاب أهميتها من قدرتها على تحويل الآراء السياسية المتفرقة إلى مشاركة منظمة؛ فهي تجمع المصالح، وترشح المتنافسين، وتوفر آلية مشروعة للتنافس على السلطة العامة.
وبمجرد الفصل بين هذه المراحل، تتضح الإشكالية المؤسسية. فالتسجيل لا يتعارض، في حد ذاته، مع القانون الدولي، لكنَّه قد يتحول خلال المرحلة الانتقالية إلى مصدر خطر سياسي، لأنَّ السلطات المؤقتة قد تكون هي نفسها طرفًا منافسًا في الانتخابات الأولى. ويجسد قانون الأحزاب التونسي لعام 2011 هذه الإشكالية؛ إذ تضمن عددًا من الضمانات الإجرائية، من بينها إتاحة الطعن أمام المحكمة الإدارية وترتيب آثار قانونية على سكوت الإدارة، أي عدم ردها خلال المهلة القانونية المحددة. غير أنَّ مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا خلص إلى أنَّ تركيز صلاحيات التسجيل والإشراف في يد رئيس الوزراء أوجد مشكلة هيكلية تمس الاستقلال، وأوصى بنقل هذه الوظائف إلى هيئة محايدة. ويتمثل النموذج الأفضل، وفقًا لما تعكسه المبادئ التوجيهية لعام 2020 الصادرة عن لجنة البندقية ومكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، في إسناد هذه المهام إلى مسجل مستقل أو لجنة انتخابية مستقلة، مع ضمان شفافية التعيينات، وحماية مدة الولاية، وتوفير الموارد الكافية، وإصدار قرارات معللة، وإتاحة مراجعة قضائية سريعة. فهذه ضمانات تهدف إلى مواجهة تضارب متوقع في المصالح، وليست مجرد تفضيلات إدارية.
وحتى عندما تُنظم مراحل التشكيل والتسجيل والمشاركة تنظيمًا قانونيًا، فإنَّ الإذن الرسمي وحده لا يكفل منافسة متكافئة. فالتسجيل يفقد كثيرًا من قيمته عندما تتعرض أحزاب المعارضة للترهيب، أو للملاحقة الانتقائية، أو للإقصاء من وسائل الإعلام الحكومية. ومن ثم، تعتمد التعددية الفعلية على وجود إدارة انتخابية محايدة، والفصل بين موارد الدولة وموارد الحزب، ووجود محاكم قادرة على توفير سبل انتصاف فعالة في الوقت المناسب.
ولا يمكن تحديد التوقيت الملائم لإجراء الانتخابات استنادًا إلى قاعدة عامة. فالبحوث المقارنة الصادرة عن المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات تحذر من أنَّ كلًا من التبكير المفرط في إجراء الانتخابات والتأخير المطول قد يشوه مسار المرحلة الانتقالية. فقد يضفي التصويت المبكر شرعية على العملية، لكنَّه قد يعزز أيضًا المزايا التنظيمية أو القسرية القائمة، في حين قد يتيح التأخير بناء المؤسسات، أو يرسخ شاغلي المناصب المؤقتة في مواقعهم. والسؤال ذو الصلة قانونًا ليس ما إذا كانت الانتخابات مبكرة أو متأخرة، بل ما إذا كانت قد أتيحت للمشاركين فرصة حقيقية للتنظيم، وإدارة الحملات، والحصول على سبل الانتصاف، والتنافس من دون إكراه.
وتكمن أهمية تشكيل الأحزاب خلال المرحلة الانتقالية في قدرته على تنظيم التعددية قبل أن تتحول السلطة المؤقتة إلى ميزة دائمة وراسخة. وينبغي لأي إطار متوافق مع الحقوق أن يحمي حرية تكوين الجمعيات السلمية، ويفصل بين التشكيل الأساسي والمزايا الانتخابية، ويمنع إساءة استخدام القوة القسرية أو الموارد المالية، ويجعل إجراءات التسجيل بمنأى عن نفوذ المنافسين السياسيين. ولا يضعف الانتقال السياسي مبررات هذه الضمانات، بل يجعلها أكثر إلحاحًا.
- تلفزيون سوريا


























