يبلغ طول الحدود السورية الأردنية 362 كيلومتراً، منها 100 كيلومتر شرقاً محاذية لمحافظة السويداء السورية، هذه المسافة كانت كافية لتكون بوابة عبور شحنات الكبتاغون نحو الخليج العربي، وثغرة أمنية تهدد الجارة الأردنية، التي فعّلت استراتيجية الدفاع عبر ضربات استباقية احترازية استهدفت مراكز تجار المخدرات ومستودعاتهم داخل محافظة السويداء خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد، الذي كان الراعي الأول لهذه التجارة، وكذلك بعد سقوط نظامه وخروج محافظة السويداء عن سيطرة الدولة السورية الجديدة.
قلق أمني
ويقول عضو مجلس الأعيان الأردني واللواء المتقاعد عمار القضاة، لـ”المدن”، إن “الأردن تنظر إلى التطورات في الجنوب السوري، وتحديداً السويداء، بمزيج من الحرص على استقرار الجار الشقيق، واليقظة الأمنية العليا لحماية حدوده الوطنية”.
ويضيف أن “السويداء تمثل عمقاً جغرافياً اجتماعياً مباشراً للحدود الأردنية الشمالية، وأي حالة عدم استقرار أو فراغ أمني فيها، تنعكس فوراً على بيئة الحدود”، مشيراً إلى أن “القلق الأردني من الفوضى في السويداء ليس قلقاً سياسياً مجرداً، بل هو قلق أمني مشروع ومبني على معطيات ميدانية، إذ تميل العصابات الإجرامية وشبكات التهريب المنظمة إلى استغلال حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي لتأسيس ملاذات آمنة ومراكز انطلاق لعملياتها تجاه المملكة”.
من جهته، يقول الباحث السوري محمد زكوان كوكة لـ”المدن”، إنه “لا يمكن التعامل مع السويداء باعتبارها ملفاً محلياً معزولاً، لأن الجنوب السوري يشكل حيزاً أمنياً وجغرافياً واحداً يرتبط مباشرة بالحدود الأردنية والجولان المحتل، لذلك فإن تستمرار الإضطراب في السويداء له انعكاسات تتجاوز حدودها الإدارية”.
ويتابع كوكة أن “أول هذه الانعكاسات هو ترسيخ واقع أمني يقوم على تعدد مراكز القوة، وغياب المرجعية الواحدة، وفي مثل هذه البيئة تتراجع قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الملفات الأمنية، والاقتصادية والخدمية، فيما تتسع مساحة عمل المجموعات المسلحة وشبكات الخطف والإبتزاز والتهريب”.
ويضيف أن “استمرار الفراغ في أجزاء من السويداء قد ينعكس مباشرة على درعا والبادية والمناطق الحدودية، فشبكات التهريب لا تتحرك ضمن الحدود الإدارية للمحافظات، وإنما تعتمد مسارات متداخلة تبدأ من البادية، وتمر بريف السويداء الشرقي والجنوبي، وصولاً إلى الحدود الأردنية، وكلما استمر الفراغ الأمني ازدادت قدرة هذه الشبكات على تبديل مساراتها وإستخدام مجموعات مسلحة صغيرة لتأمين الحماية والنقل”.
ويشير إلى أن “الحكومة السورية ترى أن الخطر لا يكمن فقط في إستمرار الاضطراب، بل في تحوله إلى واقع دائم تنشأ داخله سلطات محلية موازية وقوى مسلحة ذات ارتباطات خارجية، لكن معالجة هذا الخطر لا ينبغي أن تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تتطلب إعادة بناء حضور الدولة بالتفاهم مع المجتمع المحلي، وضمن صيغة تضمن المشاركة والمساءلة وحماية الحقوق”.
الردع الأردني .. ضربات منسقة مشروعة
وأخذت سياسة الأردن بالتعامل مع ملف التهريب منحىً آخر منتصف عام 2023، حيث اتبعت سياسة “الدفاع الاستباقي”، عبر تنفيذ عدة ضربات جوية استهدفت مراكز كبار تجار ومنظمي عمليات التهريب بدلاً من الاكتفاء بإحباط عمليات التهريب وإعتراض المهربين، ففي الثامن من أيار/ماير لعام 2023، استهدفت القوات الأردنية منزل مرعي الرمثان أحد أكبر تجار السويداء، ما أدى إلى مقتله، وفي العام ذاته نفذت عملية أخرى في منطقة صلخد أسفرت عن تحييد أحد قادة شبكات التهريب.
ولم تتوقف الضربات الأردنية بعد سقوط نظام الأسد، نظراً لخروج الحدود الشرقية المحاذية لمحافظة السويداء عن سيطرة الدولة السورية، وبالتالي تنامي عمليات التهريب، فكثفت الأردن هجماتها، وأطلقت عملية “الردع الأردني”، والتي تهدف إلى تفكيك البنية اللوجستية لشبكات التهريب قبل وصولها إلى حدودها وتهديد أمنها الوطني.
وفي هذا السياق، يؤكد القضاة أن “الضربات التي استهدفت وكر تجار المخدرات والأسلحة هي عمليات نوعية مبنية على معلومات استخبارية دقيقة لتفكيك خيوط الخطر من مصدره”، مشيراً إلى أن “خيار الدفاع عن الأمن الوطني الأردني خيار مفتوح دائماً ومكفول، لحماية الحدود من أي بؤرة تشكل خطراً مباشراً”.
فيما يرى كوكة أنه “بعد الإعلان عن تشكيل لجنة سورية أردنية أمنية مشتركة مهمتها ضبط الحدود ومكافحة شبكات تهريب المخدرات والسلاح، وتأكيد رأس هرم السلطة في كلا الدولتين على أهمية تكثيف الجهود المشتركة في هذا الجانب، فإن الضربات الجوية تأتي بناء على تنسيق عالي المستوى معلوماتياً واستخباراتياً دون الحاجة للتصريح عن مستوى التنسيق في كل ضربة”.
مواجهة مفتوحة
وحول خشية الأردن من تنامي تهريب الكبتاغون والسلاح عبر الحدود في ظل الفوضى التي تعاني منها محافظة السويداء، يؤكد اللواء الأردني القضاة أن “الأردن لا يتعامل مع ملف التهريب بلغة الخشية، بل بلغة الجاهزية والردع”، لافتاً إلى أن “شبكات التهريب تستغل التوترات الداخلية والظروف الجوية للتوسع، لذلك، أعاد الأردن فرض قواعد اشتباك حازمة ومباشرة”.
ويشير إلى أن “التعاون الأمني والسياسي بين عمّان ودمشق موجود وقائم عبر القنوات الرسمية، والأردن دائماً ينطلق من مبدأ التعامل مع الدولة السورية ومؤسساتها الشرعية حرصاً على سيادتها وأمنها، ومع ذلك، ندرك حجم التحديات والتعقيدات الميدانية التي تواجهها السلطات السورية في بسط نفوذها الكامل على بعض المناطق الجنوبية”.
لا مكان للميليشات على الحدود
في أكثر من مناسبة، طالب شيخ العقل في السويداء حكمت الهجري، بالانفصال عن الدولة السورية وفتح معبر إنساني مع الأردن، أو الإنضمام إلى دولة أخرى، الأمر الذي قابله رفض أردني قاطع. وينوه القضاة إلى أن “موقف الأردن التاريخي والرسمي والدائم، هو التمسك المطلق بوحدة الأراضي السورية وسيادتها واستقلالها”، مشيراً إلى أن “الأردن يعتبر أي مساس بوحدة سوريا تهديداً لمفهوم الدولة الوطنية في الشرق الأوسط، وتغذية لسيناريوهات الفوضى والفتن”.
من جهته، يقول الباحث السوري محمد كوكة أنه “من غير المرجح أن يؤيد الأردن أي مشروع انفصالي في الجنوب السوري، لأن مثل هذا السيناريو يتعارض مباشرة مع مصالحه الأمنية، فقيام كيان ضعيف أو غير مستقر على حدوده الشمالية سيزيد مخاطر التهريب، ويعقد ملف اللاجئين، ويفتح المجال أمام تدخلات خارجية وقوى مسلحة غير منضبطة”.
ويلفت إلى أنه “في حال استمر الفراغ، فقد تنتقل السويداء من كونها منطقة عبور إلى منطقة تخزين وتوزيع، وبالنتيجة تتحول تجارة المخدرات إلى مصدر التمويل الرئيسي لجماعات مسلحة محلية، وعندها ستنشأ مصالح اقتصادية ترى في عودة الدولة تهديداً مباشراً لنفوذها ومصادر دخلها”.
السويداء صمام أمان المملكة
وفيما يتعلق بالخيارات المتاحة أمام الأردن لضمان أمنه وضبط حدوده، يفنّد اللواء الأردني المتقاعد الخيارات الأردنية في ثلاث ركائز: “الأولى وهي الركيزة الأمنية والعسكرية من خلال تعزيز الجدار الدفاعي والإستباقي على طول الواجهة الشمالية، عبر التكنولوجيا الحديثة، وقواعد الاشتباك الحاسمة، والعمليات الاستباقية”.
ويضيف أن “الركيزة الثانية، هي الركيزة الدبلوماسية والإقليمية من خلال مواصلة التحرك مع القوى الإقليمية والدولية والأمم المتحدة لتثبيت الاستقرار في الجنوب السوري، ومنع تحوله إلى منطقة نفوذ لميليشيات أو أجندات غريبة”.
ويوضح أن “الثالثة وهي الركيزة التنسيقية المباشرة وتتمثل بتعميق التنسيق الأمني مع الدولة السورية لدعم استعادة أمنها، ورفض أي إملاءات خارجية تستغل معاناة الأهالي، لأن الأردن خياره الدائم هو حفظ أمنه أولاً، ودعم وحدة جيرانه ثانياً”.
- المدن























