من قبيل المصادفة، وقبل أسبوع فقط من الحادث المروري المروّع الذي شهده طريق دير الزور- دمشق، نشر موقع “قاسيون” تقريراً يحذّر فيه من زيادة عدد الحوادث المرورية في سوريا. واستند التقرير إلى الأرقام في سجلات وزارة الطوارئ، والتي تشير إلى أن عدد الحوادث المرورية خلال 2025 كان نحو 3000 حادث، بينما وصل في نهاية النصف الأول من العام الجاري، إلى نحو 2400 حادث. أي أن وسطي الحوادث الشهري ارتفع من 250 إلى نحو 400 حادث، بزيادة نسبتها 60%.
ورغم قتامة هذه الأرقام، إلا أن السبب المباشر الكامن وراء ارتفاعها، هو مؤشر تعافٍ أمنيّ وسياسي واقتصادي. فزيادة الحركة على الطرقات السريعة بين المدن والبلدات السورية، للأفراد والبضائع ولشاحنات نقل المحروقات والوقود (بما فيه العراقي)، زادت الغزارة المرورية، ورفعت منسوب الضغط على البنية التحتية المتهالكة لهذه الطرقات. وهذا التعافي في الحركة المرورية يتطلب خطة طوارئ عاجلة منخفضة التكلفة وسريعة الإنجاز، بهدف التقليل من عدد الحوادث ومن حصيلة الوفيات والإصابات الخطيرة الناجمة عنها، إلى حين توفّر الظروف الملائمة لإعادة التأهيل الشاملة للبنية التحتية للطرقات.
ولتوضيح الصورة، فإن سوريا كانت خامس أعلى دولة في العالم بمعدل الوفيات الناجمة عن حوادث المرور، بنسبة 29.9 وفاة لكل 100 ألف نسمة، وفق الأرقام الصادرة عن منظمة الصحة العالمية عام 2021. وهي آخر أرقام دولية يمكن الركون إليها. في تلك المرحلة كانت مناطق السيطرة موزّعة بين أربع سلطات، مقسّمة بين المنطقة الشرقية تحت إدارة “قوات سورية الديمقراطية- قسد”، وشمال حلب تحت إدارة “الجيش الوطني”، وإدلب تحت إدارة “هيئة تحرير الشام- سابقاً”، وبقية المناطق تحت إدارة نظام الأسد. وكانت الحركة المرورية بين تلك المناطق أقل وتيرة مما هي عليه الآن، جراء القيود على الانتقال وتعدد المعابر والحواجز وما يرافقها من أنظمة “ترفيق” وإتاوات ومخاطر أمنية مرتفعة.
اليوم، سوريا متاحة بانسيابية أكبر أمام حركة سكانها بين معظم المدن والبلدات. وازدادت وتيرة هذه الانسيابية مع عودة محافظات المنطقة الشرقية لسيطرة العاصمة دمشق، في الثلث الأول من العام الجاري، بالتوازي مع ازدياد وتيرة نقل البضائع والشحن بين المحافظات، وحركة الترانزيت بين دول الإقليم عبر الأراضي السورية. وهو ما يعني أن ترتيب سوريا في قائمة الدول التي تشهد أكبر عدد وفيات جراء حوادث المرور، على الأرجح، ارتفع مقارنة بالعام 2021. من هنا، نفهم أن توصيفات “طرق الموت” لبعض طرق السفر السريع بين المحافظات السورية، ليست مبالغة.
تصنّف تقارير وزارة الطوارئ السرعة الزئدة على أنها المسبب الأول والرئيسي لوقوع الحوادث في سوريا، بنسبة 36% تقريباً؛ فيما تصنّف السلوكيات الخاطئة في القيادة (استخدام الهاتف المحمول، التشتت في الانتباه)، إلى جانب الأعطال الفنية في المركبات (أعطال المكابح والإطارات)، في المرتبتين الثانية والثالثة؛ فيما تحدد البنية التحتية للطرقات بوصفها السبب الرابع بنسبة أقل من 2%. وهو ما انتقده تقرير موقع “قاسيون”، الذي أشرنا إليه في المقدمة، بوصفه “تنصل فاضح من المسؤولية”. فيما تذهب تقديرات إلى أن تأثير البنية التحتية على زيادة عدد الحوادث يصل إلى ما بين 20 – 25%. لكن رغم ذلك، تبقى لسلوكيات السائقين، والأعطال الفنية، النسبة الأكبر التي قد تصل إلى نحو 75%، في أحسن التقديرات. وهي سلوكيات ومشكلات يمكن عبر الحد منها، بإجراءات رقابية صارمة، خفض معدل الوفيات جراء الحوادث، بنسبة كبيرة، قد تصل وفق تجارب بعض الدول، إلى 40%.
مما سبق، نخلص إلى الحاجة العاجلة للعمل على ثلاثة خطوط متوازية:
الأول: إصلاح أولي وسريع للطرقات السريعة (خصوصاً طريقي: دمشق- درعا، دمشق- دير الزور)، عبر حلول منخفضة التكلفة لتقليل الحوادث، من قبيل: استخدام العواكس الفوسفورية لتعويض غياب إنارة الشوارع ليلاً؛ حفر مطبات تحذيرية خشنة تجبر السائقين على تخفيف السرعة؛ إغلاق الفتحات المرورية غير النظامية التي استحدثها الأهالي على بعض الطرقات السريعة؛ سد الحفر العميقة وتصريف المياه من جوانب الطرق لمنع الانزلاقات؛ واستبدال اللوحات المرورية المفقودة أو التالفة بلوحات عاكسة.
الثاني: نشر نقاط إسعاف سريع كل 30 كيلومتر من الطرق السريعة لتسريع الاستجابة للحوادث وإنقاذ المصابين خلال وقت أقصر، مما يقلل من معدل الوفيات؛ بالتزامن مع تكثيف دوريات المرور على الطرق السريعة.
الثالث: نشر رادارات مراقبة للسرعة في نقاط غير ثابتة ومفاجئة للحد من قيام السائقين بتخفيف السرعة عند النقاط الثابتة للرادارات فقط؛ تفعيل خط ساخن للإبلاغ عن تجاوزات السرعة من جانب سائقي بولمات السفر وشاحنات البضائع والوقود؛ ربط تجديد رخص المركبات بفحص صارم لمنظومة المكابح والإطارات؛ وضبط حالات منح إجازات السوق بدون تدريب ملائم للقيادة مع إلزام سائقي البولمات وشاحنات البضائع الكبيرة على الخضوع لدورات تدريب قصيرة المدة لتقييم مهاراتهم في القيادة.
هذه الخطة المؤقتة ضرورية لخفض نسب الحوادث والوفيات الناجمة عنها إلى حين توفّر التمويل اللازم لتنفيذ عمليات إعادة تأهيل شاملة للطرق الدولية السريعة في سوريا، والتي تتطلب ما بين سنتين إلى 5 سنوات، وفي بعض تجارب الدول الخارجة من النزاع، تصل هذه المدة إلى 10 سنوات. لذا فالانتظار ليس خياراً، ويجب على السلطات المعنية وضع خطة بهذا الاتجاه والمباشرة بتنفيذها.
- المدن






















