أكد الشرع أن سورية لا تعتزم التدخل عسكرياً في الشأن اللبناني
وصف الرئيس السوري العلاقات مع دول الخليج بأنها “استراتيجية”
ورغم تنوع الملفات التي تناولها الشرع في المقابلة، فإن الرسالة الأبرز تمثلت في تأكيده أن سورية تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بعيداً عن سياسة المحاور، مع التركيز على إعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الاقتصادية باعتبارهما الأولوية في المرحلة الحالية. وكان الملف الإسرائيلي من أبرز محاور المقابلة، إذ كشف الشرع عن أن دمشق تعمل، بمشاركة عدد من الدول، على التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، معتبراً أن نجاح هذا المسار قد يفتح الباب أمام سلام شامل في المستقبل. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي تفاهم لن يكون على حساب حق سورية في استعادة الجولان المحتل.
وأكد الشرع أن الحكومة السورية تتجنب الانخراط في مواجهة عسكرية مع إسرائيل، معتبراً أن الأولوية تتمثل في حماية سورية من مزيد من التصعيد، واعتماد الوسائل السياسية والدبلوماسية لمعالجة الملفات الأمنية. وأشار إلى أن العمل الدبلوماسي ساهم في الحد من الاعتداءات الإسرائيلية مقارنة بالفترة السابقة، رغم استمرار العقبات أمام التوصل إلى اتفاق نهائي.
غازي دحمان: تصريحات الشرع تعكس واقعية سياسية في التعاطي مع ملف الاحتلال
في هذا الصدد، رأى المحلل السياسي السوري غازي دحمان أن تصريحات الشرع تعكس “واقعية سياسية” في التعاطي مع هذا الملف، إذ حدد بوضوح أن الهدف الحالي هو الوصول إلى اتفاق أمني يرضي الطرفين، مع إبقاء خيار السلام الشامل مطروحاً مستقبلاً دون التفريط بالحقوق السورية، ولا سيما الجولان المحتل. وأضاف في حديث مع “العربي الجديد” أن الرسائل ربما لا تستهدف الحكومة الإسرائيلية الحالية (برئاسة بنيامين نتنياهو) بقدر ما تراهن على تغيرات سياسية قد تفرز حكومة أكثر استعداداً للتفاهم.
ما هي رؤية أحمد الشرع في ملف الاقتصاد؟
في الملف الاقتصادي كشف الشرع عن وجود مشاريع استراتيجية قيد النقاش مع الولايات المتحدة. تشمل هذه المشاريع إعادة ربط خط أنابيب النفط إلى مصفاة بانياس، وإنشاء محطات لتكرير النفط، وتطوير شبكة أنابيب داخل سورية وربطها بمدينة طرابلس اللبنانية، بما يسهم في تنشيط الاقتصادَين السوري واللبناني معاً. وأكد أن الموقع الجغرافي لسورية يمنحها فرصة لاستعادة دورها كمركز تجاري إقليمي، مشيراً إلى أن العقوبات الاقتصادية لن يفقد أثرها بالكامل إلا بعد رفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما تعمل دمشق على تحقيقه عبر الانفتاح على المجتمع الدولي وبناء شراكات اقتصادية جديدة.
وتوقع الشرع أن يشهد الاقتصاد السوري نمواً تدريجياً خلال المرحلة المقبلة، مع تركّز الاستثمارات الخليجية في قطاعات الطاقة والمطارات والعقارات وبناء المدن الجديدة، إضافة إلى مشاريع البنية التحتية، ومنها طريق جديد يربط دمشق بدير الزور. كما أعلن عن عودة نحو ثلاثة ملايين سوري منذ “التحرير” (إسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024)، معتبراً أن هذه المؤشرات تعكس بداية مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي.
الخليج… شريك استراتيجي
ووصف الشرع العلاقات مع دول الخليج بأنها “استراتيجية”، قائلاً إن سورية والخليج يمثلان “بيئة واحدة تفصلها الحدود”. وأكد أن العلاقات تقوم على المصالح المشتركة لا على المساعدات فقط، وأن الاستثمارات الخليجية بدأت بالفعل بالدخول إلى السوق السورية، في وقت تعمل فيه الحكومة على توفير بيئة مناسبة لجذب المزيد منها.
وفي هذا السياق، اعتبر غازي دحمان، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن الرئيس السوري حدد رهانات دمشق الاستراتيجية بوضوح، من خلال بناء شراكات مع الولايات المتحدة ودول الخليج، بوصفها المدخل الواقعي لإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد. وأكد أن هذه العلاقات تقوم على المصالح المتبادلة والاستفادة من الموقع الجيوسياسي لسورية، وليس على المساعدات التقليدية.
ماذا عن العلاقات مع روسيا والجوار؟
وفي ما يتعلق بالعلاقات بين سورية وروسيا، أكد الشرع أن العلاقات بين البلدين تاريخية، وأن موسكو سارعت إلى فتح صفحة جديدة مع دمشق عقب التغيير السياسي. وأوضح أن المباحثات بشأن مستقبل القواعد العسكرية الروسية لا تزال مستمرة ولم تُحسم بعد.
أما على صعيد العلاقات مع لبنان، فأكد الشرع أن سورية لا تعتزم التدخل عسكرياً في الشأن اللبناني، لكنها تبحث مع الحكومة اللبنانية سبل المساعدة في تجاوز الأزمة الحالية. وحذّر في هذا السياق من أن أي اضطراب في لبنان سينعكس مباشرة على سورية. وشدد الرئيس السوري على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، معتبراً أن ذلك شرط أساسي لتحقيق الاستقرار.
وفي الملف العراقي، وصف الشرع العلاقات بين دمشق وبغداد بأنها جيدة وتشهد تحسناً، لكنه أبدى مخاوف من وجود فصائل مسلحة على الحدود لا تخضع بالكامل لسلطة الدولة العراقية. وانتقد في الوقت ذاته سياسات دعم الكيانات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، معتبراً أنها أحد أسباب عدم الاستقرار في المنطقة.
من “قسد” إلى العدالة الانتقالية
في الملفات الداخلية، أقر الشرع بوجود بطء في تنفيذ الاتفاق مع “قسد” (يناير/كانون الثاني 2026)، لكنه أكد أن الحكومة لا تزال ترى في الاتفاق الإطار الأنسب لمعالجة الملفات العالقة ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي سورية ضمن مؤسسات الدولة.
كما شدد على أن الحكومة ماضية في معالجة ملفات العدالة الانتقالية والانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن الدولة وحدها هي الجهة المخولة بتحقيق العدالة وإنفاذ القانون، بعيداً عن أي مظاهر للانتقام أو الفوضى. وأعلن أيضاً تشكيل لجنة خاصة لملف المفقودين تعمل وفق المعايير الدولية وبالتعاون مع دول تمتلك خبرات في هذا المجال.
وتطرق الشرع إلى التنمية شرقي سورية، مؤكداً أن المنطقة تعرضت للتهميش خلال العقود الماضية رغم امتلاكها ثروات كبيرة، وأن الحكومة تعمل على تنفيذ مشاريع تنموية وبنى تحتية لإعادة دمجها في الاقتصاد الوطني.
الواقعية السياسية
وتعليقاً على مقابلة الرئيس السوري، والملفات التي تطرق لها، قال الخبير السوري في العلاقات الدولية والإسرائيلية خالد خليل، إن خطاب الشرع جدّد تأكيد نهج دمشق القائم على الواقعية السياسية في التعامل مع الملف الإسرائيلي. وأوضح في حديث مع “العربي الجديد” أن هذا النهج يقوم على إعطاء الأولوية للأدوات السياسية والدبلوماسية والقانونية بدلاً من المقاربات العسكرية، بما ينسجم مع أولويات المرحلة الانتقالية وإعادة بناء الدولة.
خالد خليل: سورية الجديدة تتعامل مع المفاوضات مع إسرائيل بقدر أكبر من الوضوح مقارنة بالمرحلة السابقة
واعتبر خليل أن سورية الجديدة تتعامل مع المفاوضات مع إسرائيل بقدر أكبر من الوضوح مقارنة بالمرحلة السابقة، مع التمسك بالحقوق الوطنية، وفي مقدمتها الجولان المحتل، ورفض أي سلام منفرد خارج إطار المسار العربي الشامل. وعزا ما وصفه “تشاؤم الرئيس حيال فرص التوصل إلى اتفاق أمني في الوقت الراهن”، إلى سياسات حكومة نتنياهو واليمين الإسرائيلي، اللذين يوظفان التصعيد العسكري لتحقيق مكاسب سياسية داخلية وتفاوضية. وفي رأيه فإن دمشق باتت تقدّم نفسها شريكاً في تعزيز أمن واستقرار المنطقة، مع اتباع سياسة احتواء للاستفزازات الإسرائيلية، مؤكداً أن هذا النهج “يعكس نضجاً سياسياً متزايداً في إدارة الملفات الإقليمية”.
- العربي الجديد





















