كلما مر أمامي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يبدأ بعبارة من نوع: “حقائق علمية مذهلة”، أو “دراسة جديدة تقول..”، أجد نفسي أتعامل معه بحذرٍ شديدٍ. أنسخه وأضعه في اختبار الذكاء الاصطناعي، أو أعود إلى مصادر أخرى للتأكد من مضمونه. تتجاوز المسألة التي تتكرر أمام ملايين المستخدمين منشوراً عابراً أو اثنين، نحو كم هائل من المنشورات التي تقترحها خوارزميات المنصات باعتبارها محتوى قد يثير اهتمامهم.
فيس بوك، مثل غيره من المنصات، لا يطرح هذه المواد اعتباطاً. هو يبني اقتراحاته على مؤشرات الانتشار والتفاعل. إذا حصل منشور ما على آلاف أو ملايين المشاهدات، فمعنى ذلك، وفق منطق الخوارزمية، أنه محتوى ناجح يستحق أن يصل إلى آخرين. لكن النجاح هنا لا يعني بالضرورة الصحة. فالخوارزمية بلا عقل يقيس ويختبر، عمياء ولا تمتلك حاسة شم أو تذوق، وبالتالي لن تعرف ما إذا كانت هذه المعلومة دقيقة أم لا؟ فكل حواسها تتبع المعلومة القادرة على جذب الانتباه، ومراكمة أعداد المتابعين والمتفاعلين؟
هنا تبدأ المشكلة، لأن المنشورات التي ترتدي لباس المعرفة لا تنتمي فعلياً إلى الحقائق، ولا تسلك الطريق نحوها. إنها أقرب إلى العلم الزائف، حيث نجد تفاصيل صحيحة جزئياً يجري إخراجها من سياقها، أو نتائج دراسات يجري تضخيمها، أو ادعاءات لا تستند إلى أي دليل حقيقي، لكنها تقدم بلغة واثقة تجعلها تبدو مقنعة. يكفي أن تُضاف إليها عبارات مثل “اكتشف العلماء”، أو “أثبتت الدراسات الحديثة” حتى يكتسب الادعاء هالة من المصداقية.
يتناسل الخطر الحقيقي من خلال وجود حيثيات خاطئة تسهم في إنتاج جمهور يشعر بأنه أصبح يعرف. فالعلم الزائف لا يكتفي بتقديم معلومات مضللة، وإنما يمنح صاحبه شعوراً بامتلاك الحقيقة، والقدرة على الحكم، وتفسير جاهز لكل شيء.
وهذا التحول من نقص المعرفة إلى وهمها هو أحد أهم تحديات عصرنا. فالمشكلة صارت هي ثقة شرائح واسعة من الجمهور بما يقرأون واعتقادهم بأنهم يعرفون. أي إن المعركة تقع حالياً بين المعرفة الحقيقية وبين تلك مصطنعة تمنح أصحابها شعوراً باليقين. ولم تعد بين الجهل والعلم فقط.
إذا نقلنا هذه الظاهرة من مجال العلم إلى مجال السياسة ولا سيما في بلد كسوريا، يظن مؤيدو السلطة فيه وكذلك معارضوها أنهم يمتلكون الحقائق المبرمة، سنجد أننا أمام نسخة أكثر خطورة هي “الهبد السياسي”.
ففي السياسة، لا يبقى الادعاء غير الدقيق مجرد خطأ معرفي، لأنه يتحول سريعاً إلى موقف، ثم إلى هوية، ثم إلى سلوك جماعي. فالسياسة في وجه من وجوه جوهرها صراع على تفسير الواقع. الأحداث لا تتحدث عن نفسها والناس يحتاجون دائماً إلى روايات تشرح لهم ما يحدث. ومن ينجح في تقديم الرواية الأكثر انتشاراً يربح بالضرورة، لأنه نجح في فرض طريقة معينة لرؤية الحقيقة وليس لأنه يملك الحقيقة.
لهذا فإن الخطاب السياسي الشعبوي يعتمد كثيراً على آلية تشبه آلية العلم الزائف. إنه يقدم إجابات بسيطة على أسئلة معقدة. يختزل الأزمات في سبب واحد، ويحمّل طرفاً واحداً مسؤولية كل شيء، ويقدم حلولاً سهلة لمشكلات تحتاج إلى دراسة عميقة ونقاش طويل.
تقود الشعبوية الرقمية الجماهير عبر مشاعر الخوف والوعود الزائفة بالخلاص، إذ يلتصق الناس بهذه الأجوبة البسيطة طلباً للطمأنينة النفسية في عالم مضطرب، فتصبح الروايات السطحية ملاذاً مريحاً يدافعون عنه للحفاظ على أمانهم النفسي لا بحثاً عن الحقيقة.
في هذا النوع من الخطاب لا يكون الهدف دائماً إقناع الناس بالحجة، بل منحهم شعوراً بالوضوح. العالم المعقد يصبح مفهوماً فجأة، فهناك أبطال وهناك أشرار، وكذلك ثمة خونة يقابلهم مخلصون، وهناك مؤامرة تفسر كل شيء. وهذه السهولة الفكرية هي ما يجعل هذه الروايات جذابة.
لقد كانت السياسة دائماً مجالاً للدعاية والتأثير، لكن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت قواعد اللعبة. ففي السابق كان انتشار فكرة سياسية يحتاج إلى مؤسسات إعلامية أو تنظيمات كبيرة. أما اليوم، فقد يستطيع شخص واحد يمتلك هاتفاً وطريقة جيدة في تقديم المحتوى أن ينافس المؤسسات، وأن يؤثر في آلاف أو ملايين الأشخاص.
المشكلة هنا ليست في مشاركة المواطنين في النقاش السياسي، فهذا جزء أساسي من الديمقراطية. المشكلة في أن يتحول النقاش إلى سوق لليقين السريع، حيث تصبح قوة الفكرة مرتبطة بعدد المشاركات والإعجابات لا بقدرتها على تفسير الواقع.
تتضاعف هذه الأزمة بفعل “غرف الصدى” المغلقة التي تحبس المستخدمين داخل فقاعات من الأفكار التي تشبه آراءهم فقط، حيث تدعم الخوارزميات هذا العزل الفكري لتغذية الانحيازات المسبقة، مما يجعل المخالفين أقليةً لا يظهرون إلا بشكل عابر.
وهكذا بتنا نشهد مفارقة غريبة، إذ إنه كلما ازدادت كمية التفاصيل المتاحة، ازدادت الحاجة إلى أدوات التحقق والتفكير النقدي. فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة امتلاك العلم. ف الإنسان في عصر الإنترنت محاطاً بكم هائل منها، لكنه أكثر عرضة من أي وقت مضى للوقوع في أسر الروايات السهلة والجهل الفعلي.
إن أخطر ما ينتجه الهبد السياسي في سوريا وفي أي بلد حول العالم ليس فقط المواطنين الذين يحملون الأفكار الخاطئة، وإنما يقينهم المطلق بهذه الأفكار. فالخطأ يمكن تصحيحه عندما يبقى رأياً، أما عندما يتحول إلى حقيقة مقدسة، فإنه يصبح عائقاً أمام أي نقاش.
ربما يكون التحدي السوري الأكبر في هذه المرحلة هو بناء ثقافة سياسية جديدة، لا تقوم على امتلاك الحقيقة النهائية، وإنما على القدرة على الحوار حولها. فقد تركت عقود طويلة من الحكم التسلطي القمعي المغلق أثراً عميقاً في طريقة النظر إلى السياسة، حيث اعتاد المجتمع على الروايات الجاهزة، وعلى البحث عن الإجابة الواحدة في واقع شديد التعقيد.
واليوم، ومع تدفق معلومات هائل وسط فضاء عام يعرج، تظهر الحاجة إلى مهارة سياسية أساسية قوامها التمييز بين ما يستند إلى المعرفة وما يصنعه الانفعال، أي بين التحليل الذي يحاول فهم الواقع والرواية التي تسعى إلى تعبئة الجمهور.
سوريا التي تريد المضي في مرحلة جديدة تحتاج إلى مواطنين يشاركون في صناعة المستقبل، وليس جمهوراً ينتظر رواية تمنحه يقيناً مريحاً. فالديمقراطية لا تولد فقط من صناديق الاقتراع، وإنما من قدرة المجتمع على قبول النقاش والاختلاف ومراجعة الأفكار. وربما تكون هذه القدرة على الشك والسؤال أهم ما تحتاجه البلاد كي لا تعيد إنتاج الماضي بأشكال جديدة
- تلفزيون سوريا.






















