تطرقنا في المقال السابق “عندما فشلنا في تشكيل كتيبة غيفارا” إلى الأثر المديد للاحتفاء بالعنف السياسي، ومن نماذجه السورية مطالبة منتقدي العسكرة بتشكيل “كتيبة غيفارا” والقتال أسوة بالفصائل الإسلامية، أو ذات التوجه الإسلامي بمعظمها. ولا يخفى أن تسمية “كتيبة غيفارا” يُقصد بها السخرية من اليساريين، أو ممن يُعتقد أنهم يساريون. ثم، عطفاً على أنهم لم يشكّلوا كتيبة غيفارا، صارت النغمة المعتادة وصفهم بالثرثارين الفاشلين… إلخ. هكذا تحضر المقارنة، الصريحة أو المضمرة، مع الإسلاميين المقاتلين، والناجحين مؤخراً بعد إسقاط الأسد.
وصفُ “اليسار الفاشل” راح يلقى الرواج لاتهام الذين ينتقدون السلطة الجديدة، وهو مخصّص للذين لا يمكن اتهامهم بأنهم “فلول” أو بأنهم من أنصار قسد أو الهجري؛ أي لأولئك المستقلين الذين لا يسهل تصنيفهم في خانة واضحة من الخانات التي صارت مألوفة لـِ “الأعداء”. ويظهر أن التصنيف المعمول به لا يتسع مثلاً لأن يكون المنتقدون ليبراليين، مع التنويه بأن قيم الحرية والديموقراطية التي طرحتها الثورة ضد الأسد يمكن نسبها إلى تأثيرات الليبرالية السياسية، ولو أن الثورة لم تكن مشروعاً ليبرالياً.
الذين يسخرون من “اليسار الفاشل” ليسوا ليبراليين متطرفين، كما قد يكون الحال في بلدان العالم، فالنسخة السورية منهم هي إما من الإسلاميين، أو من المدافعين عنهم، المتكاثرين مؤخراً. ويمكن الجزم بندرة وجود أطروحات يسارية خلال العقد ونصف الأخير، بما أن الوضع السوري غير مستقر، وغير منتج، على نحو يشكّل أرضية لأفكار يسارية. ومؤخراً لا يمكن الحديث عن مشروع اقتصادي، واضح المعالم، للسلطة الحالية بحيث تُناقش تفاصيله من منطلق يساري. الشذرات من هنا وهناك تفيد بالذهاب إلى اقتصاد رأسمالي، لكنه ليس اقتصاد السوق الحر.
في صيف 2014 وجّه لي الروائي الراحل إلياس خوري السؤال عن سبب عدم انخراط اليسار السوري في العمل العسكري ضد الأسد؟ واستشهد بمثال مخالف هو اليسار اللبناني الذي شارك بفعالية ضمن الحرب الأهلية، وانزوى بعدما خسر معركته. في الإجابة عن هذا السؤال الوجيه: ربما يكون اليسار اللبناني قد تأثّر بوجود منظمة التحرير الفلسطينية التي تضمّ فصائل يسارية، أما في سوريا فالوضع مختلف تماماً، حيث لم تكن هناك عسكرة خارج مؤسسات السلطة، والتنظيم اليساري الوحيد الذي نفّذ عملاً عنفياً معروفاً هو تنظيم هامشي.
في المقابل، مبكراً بعد انقلاب البعث، قاد الإخواني مروان حديد احتجاجاً مسلّحاً عام 1964. ويُنظر إلى ما فعله حديد بمثابة الشرارة الأولى، في انتظار أن تأتي الموجة الثانية بأعمال العنف التي ستنفّذها “الطليعة المقاتلة” للإخوان في نهاية السبعينيات ومستهل الثمانينيات، خصوصاً في حلب وحماة. وإذا أعدنا النظر بحركتَي حديد ثم الطليعة المقاتلة، فمن السهل الجزم بصدورهما عن إسلام مقاتل و”فاشل” معاً، إذ لم تحقق أعمال العنف أية نتيجة إيجابية، بل ارتدت على نحو كارثي على الذين قاموا بها، إذا تجاهلنا تماماً الآثار السلبية على البلد ككل، وإذا لم تكن شجاعة الانتحار معياراً تُقاس به الجدوى.
ليست الغاية إثبات فشل الإسلاميين مقابل فشل اليسار، فالأوّلون رغم خساراتهم استطاعوا نشر أفكارهم ضمن شرائح واسعة، ساعدهم في ذلك مناخ من استقواء تيار الأسلمة إقليمياً مع دخول عصر البث الإعلامي الفضائي. من جهة اليسار، يمكن القول إنه لعب دوراً خاصاً في سوريا، لجهة حمل مشروع التحديث الذي لم تُقيَّض له برجوازية وطنية بسبب التأميم. بهذا المعنى، تكاد تكون حركة التحديث وبيئتها الثقافية والمجتمعية تُحسب إلى حدّ كبير لليسار، من دون إهمال التيار الذي دمج القومية باليسار.
لقد نجح اليسار في أداء دوره “التنويري”، رغم كل المصاعب السياسية والمجتمعية، ويمكن الجزم بأن سوريا لن تكون هي نفسها لو لم يكن هذا الدور موجوداً. أما عالمياً، ورغم فشل التجربة السوفياتية، ثمة دلالة يعرفها السوريون جيداً، فاللاجئون منهم اختاروا البلدان الرأسمالية التي فيها قدر أكبر من الرعاية الاجتماعية، أي البلدان التي كان لليسار فيها حضور قوي وبفضله تطورت دول الرعاية الاجتماعية، مع التنويه بالأفق الإنساني لليسار الذي جعل تلك البلدان في طليعة مستقبلي اللاجئين من مختلف بلدان الاستبداد. وتكفي نظرة سريعة على أفكار اليمين المتطرف والشعبوي لرؤية الأفضلية الإنسانية لليسار، ووجوده واستمراره أفضل دليل على الحاجة إليه، وإلا لما أوصلته صناديق الاقتراع إلى السلطة، أو للمشاركة فيها.
الطريف أن بعض متهمي اليسار بالفشل يروّجون لكون حكم الأسد يسارياً وعلمانياً، وإذا أُخذت هذه المزاعم على محمل الجد، فالخلاصة هي نجاح الأسد في استلام السلطة، ثم البقاء فيها لأكثر من نصف قرن، على العكس تماماً من الدعاية التي تقول إن اليسار فاشل. فالدعاية ذاتها تمنح الإسلاميين أفضلية النجاح لأنهم أسقطوا الأسد ووصلوا إلى السلطة، كأن التاريخ يبدأ أو ينتهي هنا، والمفارقة أن معيار الوصول إلى السلطة والبقاء فيها يمنح الأسد أفضلية لنصف قرن مقبل!
بالمقارنة نفسها أيضاً، يصح القول إن معظم التجارب الإسلامية، التي نجحت في الوصول إلى السلطة، فشلت في إدارة الحكم. وبصرف النظر عن المظلوميات الإسلامية هنا وهناك، فقدت السلطات الإسلامية في العديد من البلدان السلطة، سواء بالعنف أو بصندوق الاقتراع كما حدث في تونس. وحتى في حالات الانقلاب لم يجد الإسلاميون زخماً شعبياً معتبراً للدفاع عنهم، لأنهم لم يقدّموا النموذج الجامع، ولعل التجربة التركية هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، لأن الحزب الإسلامي فيها يحكم على أساس علماني ديموقراطي، ولا يفرض أيديولوجيته على الدولة والمجتمع.
يتناسى الذين يستهدفون اليسار أن نجاح الإسلاميين في الوصول إلى السلطة أتى على أرضية ثورة شعبية قوّضت شرعية النظام السابق ومراكز قوته، وهذه الثورة لم يفجّرها إسلاميون، ولم يتولوا قيادتها، لا هم ولا غيرهم. ذلك من دون بخسهم حقهم كمقاتلين كانت لهم اليد العليا في الحرب التي أعقبت الثورة، وفاز من بينهم الأكثر تنظيماً وانضباطاً بالوصول إلى السلطة. أما الحكم على ما بعد استلام السلطة فلا يزال مبكراً جداً، وصدوره عن منتشين بها لا يجعله مستعجلاً فحسب.
الذين واظبوا على انتقاد اليسار هم أبعد ما يكون عن نقد عالمي ومحلي لليسار، سبق أن قدّمه عارفون به، بخلاف من يريدون تحويل كلمة “اليسار” إلى شتيمة بكثرة تكرارها على هذا النحو. في الأصل، الاستهداف الحالي لليسار هو استهداف للحياة السياسية، إذ تنطلق الماكينة نفسها كل مرة لتأثيم طرف ما من السوريين بالطعن في جدارتهم السياسية. الغاية الوحيدة لذلك هي الانقضاض على فكرة الحراك السياسي، من خلال الإيحاء مسبقاً بأن السوريين بمختلف توجهاتهم غير جديرين به، باستثناء السلطة. وإذا مشينا مع هذا الانتقاص إلى نهايته فلن يبقى في الساحة السياسية والمجتمعية سوى لون واحد، ويلزم الكثير من السذاجة للاقتناع بأن ما فشل فيه اليسار التوتاليتاري “الشمولي” عالمياً ستنجح فيه توتاليتارية من نوع آخر.
- المدن





















