رسالة الاتفاق الأساسية أن الأمن الإقليمي لم يعد في محور واحد
مصر تفضّل البقاء في الظل رغم أن انضمامها قد يمنح التحالف قوة
أثار توقيع اتفاقية مكة للدفاع الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، يوم أمس الجمعة، ردّات فعل متباينة في الأوساط الإيرانية. وتراوحت وجهات النظر في طهران بين دعوات إلى تعزيز التنسيق والتعاون بين الدول الإسلامية، وبين تعليقات بحثت في طبيعة هذا التحالف وانعكاساته على التوازنات الأمنية في المنطقة، فضلاً عن أخرى طالبت بالانضمام إلى الاتفاقية، وتشكيل تحالف إقليمي ضد إسرائيل. ويأتي هذا التطور في توقيت يشهد فيه الشرق الأوسط توترات إقليمية واسعة، مرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران، حيث وصلت شظاياها أخيراً إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
تعليقات إيرانية رسمية
عقب الإعلان عن الاتفاق، ومن دون إشارة مباشرة إليه، وجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مساء الجمعة، رسالة عبر منصة “إكس” إلى دول الجوار، دعا فيها إلى اعتماد سياسة “الاعتماد على الذات” وتبني ما وصفه بـ”نهج الأخوة الحقيقية” في المنطقة. غير أن عراقجي حاول أن يبعث برسالة “قوة” غير مباشرة، مفادها أن الاتفاقية لن توقف بلاده، إذ قال إن القوات المسلحة الإيرانية أثبتت جاهزيتها وقدرتها واقتدارها في مواجهة “أكثر القوى العسكرية تطوراً في العالم”.
ولفت الوزير الإيراني إلى أن وحدة المسلمين وتكاتفهم يمنحانهم القدرة على الوقوف بحزم وقوة أمام أي تحديات يخلقها “الأجانب المتآمرون”. واختتم رسالته بالتأكيد أنه “قد حان الوقت لنعتمد على أنفسنا فقط، وأن نتبنّى نهج الأخوة الحقيقية”.
وفي السياق ذاته، علّق مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، اليوم السبت، على “اتفاقية مكة” بدون تسميتها صراحة، مؤكداً أن دول المنطقة قادرة على ضمان الأمن من خلال تكثيف التعاون المشترك. ودعا ولايتي، في الوقت ذاته، إلى رحيل القوات الأجنبية، معتبراً إياها عامل عدم الاستقرار الرئيسي في المنطقة. وأضاف ولايتي أن التطورات الأخيرة جاءت “ثمرة لصمود القوات المسلحة، وثبات الشعب الإيراني، وشجاعة محور المقاومة”.
وأمس الجمعة، جاء أول رد فعل إيراني على اتفاقية مكة الدفاعية بين تركيا والسعودية وباكستان من عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، الذي قال، في تعليقٍ نشره عبر منصة “إكس”، إن الاعتماد على الاتفاقيات الخارجية “لن يشكل صمام أمان للرياض”. وأضاف رضائي: “يجب على السعوديين أن يدركوا أن الاتفاق على الورق مع تركيا وباكستان لن يجلب لهم الأمن، تماماً كما أن سنوات الاستضافة الأحادية للأميركيين لم توفّر لهم ذلك”. وخاطب السعوديين قائلاً: “قوموا بإصلاح سياساتكم حتى لا تضطروا إلى استجداء الأمن من الآخرين”.
إلى ذلك، علّق المتحدث باسم حكومة محمد خاتمي السابقة، الإصلاحية، عبد الله رمضان زاده، على توقيع اتفاقية مكة الدفاعية بين السعودية وباكستان وتركيا، بالدعوة إلى الانضمام إليها وتوجيهها نحو مسارات أخرى، لكون الإعلان أكد أنها ليست موجهة ضد أي دولة. وأضاف رمضان زاده، وفق صحيفة دنيا الاقتصاد الإيرانية، أنه من الطبيعي أن تستعين السعودية بباكستان وتركيا “نظراً لبعض نقاط ضعفها، لكن ينبغي علينا التعامل مع هذا الأمر بحسن نية، والسعي نحو تشكيل ميثاق إقليمي بين الدول المسلمة تكون وجهته الأساسية التصدي لإسرائيل”.
دلالة زمانية ومكانية
يعتبر المحلل الإيراني صلاح الدين خديو أن توقيع حلف مكة يوم الجمعة، وفي المدينة المقدسة، يحمل دلالة رمزية بالغة الأهمية، وإن كانت الالتزامات الفعلية ومدى جدية الأعضاء لم تتضح بشكل كامل بعد. ويقول خديو، في مقابلة مع “العربي الجديد”، إن الحلف يجمع ثلاث قوى سنّية رئيسية تسعى إلى التعاون، في خطوة يرى الجانب السعودي في رمزيتها الزمانية والمكانية محاكاةً لحلف الفضول التاريخي في الحجاز في صدر الإسلام. ويوضح أن دوافع الأطراف الثلاثة ليست متطابقة، إذ تقود الرياض مخاوف أمنية مرتبطة بالنفوذ الإيراني لدى الحوثيين، وشكوك حول فاعلية المظلة الأمنية الأميركية بعد الحرب الأخيرة.
ويضيف المحلّل الإيراني أن أنقرة تنظر إلى الحلف في إطار التوازن الإقليمي للحد من تنامي الدور الإسرائيلي وتفادي تهميشها في الترتيبات الأمنية الجديدة بالشرق الأوسط، في حين تركّز إسلام أباد على موازنة غريمتها الهند وتعزيز موقعها تجاه التحالفات الناشئة بين إسرائيل ونيودلهي وبعض الدول العربية، كالإمارات، إلى جانب التطلع التركي الباكستاني المشترك إلى الاستثمارات السعودية.
ويشير خديو إلى أن الحلف أعلن انفتاحه على انضمام دول أخرى، وأنه لا يستهدف طرفاً بعينه، لافتاً إلى أن مصر تفضّل البقاء في الظل حالياً، رغم أن انضمامها قد يمنح التحالف وزناً عسكرياً وعربياً إضافياً يغذي تسميته بـ”الناتو السنّي”. ويتساءل المحلل الإيراني عن وجهة هذا التحالف وهدفه بين إيران وإسرائيل، مبيناً أن طهران انتقدت لسنوات ما وصفته بـ”المحور العبري العربي”، بينما تشهد المنطقة اليوم توازناً جديداً تسعى فيه تركيا والدول العربية وباكستان، بدوافع متباينة، إلى مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد والقوة الإقليمية لإسرائيل، متأثرة بتبعات الحرب الأخيرة وضعف الترتيبات الأمنية السابقة.
خديو: مسار الحلف تحدده الديناميكيات الجيوسياسية المتقلبة في الشرق الأوسط ومدى التزام أعضائه
ويخلص خديو إلى أن مسار الحلف تحدده الديناميكيات الجيوسياسية المتقلبة في الشرق الأوسط ومدى التزام أعضائه، مذكراً بالتحالفات العابرة في المنطقة، مثل التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن وما شهده لاحقاً من تنافس سعودي إماراتي، والتحالف الدولي ضد تنظيم داعش الذي تحول إلى فاعل في الأزمة السورية. كذلك يشبّه المبادرة الحالية بـ”إعلان دمشق” (حلف 6+2)، الذي تشكل بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 بمشاركة دول مجلس التعاون الخليجي ومصر وسورية لكبح إيران والعراق، لكنه ظل حبراً على ورق مع اتجاه دول الخليج نحو الاتفاقيات الأمنية المباشرة مع واشنطن.
“اتفاقية مكة”.. أكثر من مذكرة تفاهم عادية
إلى ذلك، يقول الخبير الإيراني حميد آصفي إن اتفاق الدفاع المشترك الموقّع في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان يبدو، في ظاهره، “ترتيباً ردعياً دفاعياً”، لكنه، في سياق السياسة الإقليمية، يتجاوز كونه مذكرة تفاهم عادية. ويضيف، في حديث مع “العربي الجديد”، أن صيغة “الهجوم على أحد هو هجوم على الجميع” تمنح الاتفاق دلالة سياسية أوسع من نصه الرسمي، ولا سيما أنه أُبرم في ذروة التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وفي ظل تصاعد انعدام الأمن حول الخليج.
ويوضح أن قراءة هذا التفاهم تقتضي وضعه في إطار القلق الأمني السعودي، مشيراً إلى أن الهجمات الحوثية على السفن والمنشآت النفطية السعودية، إلى جانب المخاوف من هجمات محتملة من جهات مرتبطة بإيران من الشمال والجنوب، دفعت الرياض إلى البحث عن مظلة أمنية جديدة. ويعتبر أن هذا الاتفاق يقوم على منطق “التأمين الأمني” في بيئة باتت فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة أدوات ضغط يومية.
آصفي: هذا الاتفاق يقوم على منطق “التأمين الأمني” في بيئة باتت فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة أدوات ضغط يومية
ويرى أن جوهر التفاهم لا يستهدف إسرائيل، بقدر ما يعبّر عن آلية لمواجهة التهديدات المرتبطة بإيران وحلفائها، قائلاً إن الرياض تسعى عبره إلى الحد من تعرضها للهجمات ورفع كلفة أي هجوم محتمل، سواء عبر الحصار البحري أو استهداف المصالح الاقتصادية لدول الخليج. ويشير آصفي إلى أن أثر الاتفاق قد يتجاوز أطرافه الثلاثة، إذ يمكن أن يدفع دولاً عربية أخرى، مثل البحرين أو الأردن، إلى البحث عن ترتيبات مماثلة أو أشكال من الانضمام. ويضيف أن الحديث عن اهتمام محتمل من بعض هذه الدول يعكس احتمال تشكل نمط أمني عربي أوسع. ويعتبر أن إسرائيل تبقى طرفاً معنياً، لكن في مرتبة لاحقة، لأن الرسالة الأساسية للاتفاق هي أن البنية الأمنية الإقليمية لم تعد محصورة في محور واحد، لافتاً إلى أن اتفاق مكة يشكل، في المحصلة، “بوليصة أمنية” للسعودية وحلفائها.
وفي سياق متصل، يرى الخبير الإيراني علي رضا تقوي نيا، في حديثه إلى “العربي الجديد”، أن اتفاقية مكة تمثل مسعى من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للجوء إلى تركيا وباكستان بغية حماية المملكة من تهديدات “قوى المقاومة” في اليمن والعراق. ويضيف تقوي نيا أن هذا الاتفاق يعكس “عجز” الولايات المتحدة عن ضمان أمن السعودية، مشيراً إلى أن هذا الواقع يثير تساؤلات حول مدى قدرة هاتين الدولتين على الاضطلاع بهذه المهمة، في ظل ما تواجهانه من كم هائل من المشكلات.
تقوي نيا: يعكس الاتفاق “عجز” الولايات المتحدة عن ضمان أمن السعودية
قراءات صحافية
إلى ذلك، أولت وسائل الإعلام الإيرانية اهتماماً خاصاً باتفاقية مكة، حيث تباينت القراءات السياسية لهذا التحالف بين الصحف المحافظة والإصلاحية حول أبعاده وتداعياته. وفي هذا السياق، رأت صحيفة كيهان المحافظة، في افتتاحيتها اليوم، أن مآلات ائتلاف الدول الأربعين الذي تشكل أخيراً في السعودية لمواجهة “أنصار الله” في اليمن، وكذلك “اتفاقية مكة”، ستكون “الفشل المحتوم”، واصفةً الاتفاقية بأنها تأتي “دعماً لجرائم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني”.
وتساءلت الصحيفة عن طبيعة الإجراءات التي يمكن أن تتخذها هذه الدول، معتبرةً أن ما عجزت عنه واشنطن وتل أبيب ميدانياً لن تستطيع هذه الدول تحقيقه. وأضافت “كيهان” أن تقارير تشير إلى تعاطف قطاع واسع من الجيشين الباكستاني والتركي، إضافة إلى جيوش دول إسلامية أخرى، مع إيران و”جبهة المقاومة”. وخلصت الصحيفة إلى أن النظام العالمي الراهن يشهد تحولات جوهرية، حيث تتقلص الفوارق وتتقارب الشعوب فيما بينها.
وفي المقابل، اعتبرت صحيفة شرق الإصلاحية أن “اتفاقية مكة” تُعدّ أهم تطور أمني بين الدول الإسلامية في ظل الظروف الراهنة، مرجحة تأثيره في خريطة التحالفات الإقليمية المستقبلية. ورغم تأكيدات تركيا وباكستان على الطابع الدفاعي للاتفاق وأنه لا يستهدف طرفاً بعينه، رأت الصحيفة أن التحليل الاستراتيجي لأي اتفاق أمني لا ينبغي أن يقتصر على نصوصه الرسمية فحسب، بل يتوجب وضعه في سياق التحولات الجيوسياسية في المنطقة.
صحيفة إيرانية: توقيع الاتفاقية في ذروة التوترات الإقليمية يطرح تساؤلات حتمية حول الأطراف المعنية بردع هذا الاتفاق
وأضافت “شرق” أن توقيع الاتفاقية في ذروة التوترات الإقليمية يطرح تساؤلات حتمية حول الأطراف المعنية بردع هذا الاتفاق، خاصة في ظل استمرار الحرب الإيرانية الأميركية وأزمة اليمن بوصفهما بؤرتي توتر رئيسيتين. وأكدت الصحيفة أن العديد من المراقبين يدركون أن هذا الاتفاق جزء من مسار إعادة هندسة “معمارية الأمن الإقليمي” في الشرق الأوسط، محذرة من أن أي تصعيد بين طهران وواشنطن، أو بين الرياض و”أنصار الله”، قد يتوسع ليشمل فاعلين إقليميين آخرين في الحسابات الأمنية المعقدة.
- العربي الجديد


























