موقع سوريا الجغرافي جعل منها مركز ثقل في المنطقة، لا يمكن تحقيق الاستقرار أو توقيع اتفاق ما على أي صعيد، إلا وتحقق دمشق مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية بشكل مباشر أو غير مباشر. فاتفاق مكة الموقع في السابع من آب/ أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، يمكن أن يحول سوريا من دولة تقع في منطقة الصراع إلى دولة تتربع على الممر الاقتصادي الإقليمي الجديد، فهي نقطة التقاء تركيا بالخليج، وكانت عبر التاريخ أحد أهم الممرات بين الأناضول وبلاد الشام والعالم العربي. وإذا ما دخلت العلاقات السعودية-التركية مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي، فإن استقرار سوريا سيصبح مصلحة مشتركة للطرفين. فهل ستنجح سوريا في استثمار موقعها الجغرافي لتحقيق مكاسب من اتفاق مكة؟
سوريا نقطة الالتقاء
الخبير في التخطيط الاستثماري وتطوير بيئة الأعمال، الدكتور خالد حمدي، رأى خلال حديثه لـِ “المدن”، أن “اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان سيعزز الاستقرار الأمني في المنطقة، وهو ما سينعكس إيجاباً على الاقتصاد في سوريا من بوابة إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، لأن رأس المال بطبيعته يبحث عن الاستقرار قبل أن يبحث عن العائد“.
وأشار د. حمدي إلى أن “سوريا اليوم أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في المنطقة، وبالتالي فإن وجود بيئة إقليمية أكثر استقراراً يمكن أن يساعد على جذب الاستثمارات السعودية والتركية والخليجية، ليس فقط في مشاريع إعادة الإعمار التقليدية، وإنما في قطاعات الطاقة والكهرباء والنقل والمياه والإسكان والصناعة والزراعة والاتصالات“.
وأكد أن “الاستقرار الإقليمي وحده لا يكفي، لذلك سوريا تحتاج، بالتوازي، إلى إصلاح البيئة الاستثمارية، وضمان حقوق المستثمرين، وتطوير الجهاز المصرفي، وتسهيل تحويل الأموال، وتبسيط الإجراءات، وتحقيق الاستقرار التشريعي“.
نقطة تحوّل
خلال عقود مضت، وبشكل خاص العقد الأخير؛ أي خلال سنوات الثورة السورية، اعتمد نظام الأسد على المساعدات التي يقدمها حلفاؤه، بسبب انهيار الاقتصاد السوري حينها نتيجة المقاطعة الدولية والعقوبات الاقتصادية التي تعرض لها بسبب ممارساته الإجرامية. وبالتالي، افتقدت سوريا إلى البيئة الاستثمارية، وحرمت من الاستثمار في مواردها النفطية نتيجة خروج آبار النفط عن سيطرتها.
ومع سقوط النظام وعودة عجلة الاقتصاد للدوران، لا بد للدولة الجديدة من الاستفادة واستغلال الفرص الدولية، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، يجب النظر إلى اتفاق مكة من منظور اقتصادي استثماري يعيد لسوريا مكانتها الاقتصادية.
وفي هذا السياق، اعتقد الخبير في التخطيط الاستثماري وتطوير بيئة الأعمال أن “أكبر فرصة أمام سوريا هي الانتقال من اقتصاد يعتمد على المساعدات إلى اقتصاد يعتمد على الاستثمار والشراكات الإنتاجية، فإذا توفرت البيئة المناسبة، يمكن لرأس المال السعودي والتركي والخليجي أن يساهم في إعادة بناء البنية التحتية، وفي الوقت نفسه أن يخلق إنتاجاً وفرص عمل وإيرادات مستدامة للاقتصاد السوري”، مؤكداً أن “التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان سيخلق فرصاً أمام سوريا للاندماج في مشاريع إقليمية بمجالات التجارة والنقل والطاقة، وهذه ربما تكون من أهم الفرص غير المباشرة التي يمكن أن تستفيد منها سوريا“.
وتابع أنه “علينا أن ننظر إلى الاتفاق ليس فقط من زاوية الأمن، وإنما من زاوية ما يمكن أن ينتج عنه من تعاون اقتصادي إقليمي، فالسعودية تمثل مركزاً مالياً واستثمارياً مهماً، وتركيا تمثل بوابة صناعية وتجارية نحو أوروبا، وباكستان تضيف بعداً آسيوياً هاماً، وسوريا تقع جغرافياً في نقطة يمكن أن تربط الخليج بتركيا وأوروبا، كما يمكن أن تربط العراق بالمتوسط وتركيا، وهذا يفتح المجال أمام مشاريع في النقل والترانزيت، والطرق الدولية والسكك الحديدية، والمناطق الحرة، والخدمات اللوجستية، والطاقة والكهرباء، وخطوط نقل الطاقة، والموانئ، والصناعات التحويلية، والتجارة البينية، ولكن يجب ألا تكون سوريا مجرد ممر للسلع“.
وشدد د. حمدي على “ضرورة ألا تتحول سوريا إلى مركز إنتاج وخدمات لوجستية؛ أي أن تستفيد من كل عملية عبور عبر التخزين والتصنيع والتعبئة والصيانة والتأمين والتمويل والخدمات، وهنا يمكن أن تتحول الجغرافيا السورية إلى مصدر حقيقي للنمو الاقتصادي“.
الجغرافيا تفرض دمشق
تأثير اتفاق مكة على سوريا محتمل بسبب موقعها الجغرافي المهم، وعلاقاتها السياسية القوية مع تركيا والسعودية، حسب ما يراه خبراء، لكن السؤال الأهم هو كيف ستتمكن سوريا من النجاح في الاستفادة الفعلية من الاتفاق لتحقيق عائد مادي مباشر يدعم الاقتصاد السوري، من دون أن تكون طرفاً في سياسة المحاور والتحالفات، خاصة أن البنية التحتية الحالية لا تساعد، إلى حد ما، في تحقيق المنفعة المباشرة.
الخبير الاستثماري د. خالد حمدي رأى أن “تأثير اتفاق مكة على الاقتصاد السوري سيكون في البداية غير مباشر، لكنه قد يصبح كبيراً إذا أحسنت سوريا استثمار موقعها، فالإنفاق بحد ذاته لن يضخ أموالاً مباشرة في الاقتصاد السوري، ولا ينبغي المبالغة في هذه النقطة، لكن إذا أدى إلى مزيد من التنسيق والاستقرار بين السعودية وتركيا وباكستان، وتوسع التعاون الاقتصادي بين هذه الدول، فإن سوريا تستطيع أن تستفيد من حركة التجارة والاستثمار الجديدة التي ستنشأ في المنطقة“.
وعن أهمية موقع سوريا الجغرافي، أشار د. حمدي إلى أن “سوريا تقع بين أربعة فضاءات اقتصادية مهمة، الخليج، العراق، تركيا وشرق المتوسط، وهذا يجعلها مؤهلة لأن تكون مركزاً للنقل والترانزيت والخدمات اللوجستية، والاستفادة الحقيقية لا تكون فقط من رسوم عبور الشاحنات، إنما من بناء منظومة اقتصادية كاملة حول الممرات التجارية“.
وتابع أنه “مثلاً عندما تدخل البضائع إلى سوريا يمكن أن تستفيد منها شركات النقل السورية، والمستودعات، والمصارف، وشركات التأمين، والموانئ، والمناطق الحرة، والمصانع، وشركات الخدمات، وبالتالي تتحول الجغرافيا من موقع على الخريطة إلى مورد اقتصادي”، منوهاً بأنه “يجب على الحكومة السورية أن تضع مشروعاً استراتيجياً بعنوان سوريا مركز الربط الاقتصادي بين الخليج وتركيا والعراق وأوروبا، ويجب أن يتضمن تطوير الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمناطق الحرة والمراكز اللوجستية والطاقة“.
ورأى د. حمدي أن “أهم ما يمكن أن تحصل عليه سوريا من اتفاق مكة ليس تمويلاً مباشراً، وإنما فرصة لإعادة تموضعها اقتصادياً، فإذا نجحنا في تحويل سوريا من ساحة صراع إلى جسر اقتصادي، ومن ممر عبور إلى مركز إنتاج ولوجستيات، فإن موقعها الجغرافي يمكن أن يصبح أحد أهم مصادر قوتها الاقتصادية في المرحلة المقبلة“.
اختلاف الرؤى السياسية
سياسياً، يمكن لاتفاق مكة أن يمنح سوريا فرصة لتعزيز علاقاتها مع السعودية وتركيا، وتطويرها أكثر، فالرياض وأنقرة حليفان قويان لدمشق، التي تحتم عليها مصلحتها أن تكون جزءاً من الحل الإقليمي، وهذا الاتفاق الثلاثي سيمنحها الفرصة لتمارس دورها المحوري وتثبت نفسها ضمن الترتيبات الأمنية الجديدة التي تشهدها المنطقة، لكن شرط ألا تكون طرفاً في أي صراع، أو أن تتحول أراضيها إلى ساحة حرب لتصفية الحسابات الدولية.
الخبير في الشؤون الصينية والآسيوية، الدكتور محمد أحمد العيد، رأى خلال حديثه لـِ “المدن”، أن “اتفاق مكة هو عبارة عن اتفاق محدد بين الدول الثلاث الموقعة”، مضيفاً أنه “شخصياً لا أتوقع انضمام دول أخرى إليه، وتحديداً سوريا في المنظور القريب على أقل تقدير، وأخالف بالرأي الخبراء السياسيين والعسكريين الذين يرون أن الاتفاق عبارة عن بذرة اتفاق واسع يمكن أن يضم دولاً أخرى، ومن بينها سوريا، لأن دور تركيا وباكستان حالياً هو دور دبلوماسي وتقاربي مع السعودية، وأنا لا أذهب بعيداً في هذا الاتفاق على أنه سيكون مطبقاً بحذافيره كما تم في الإعلان“.
وأشار د. العيد إلى أن “سوريا ضمن السياسات الحالية وتوجهات الرئيس أحمد الشرع، لا تريد الاصطفاف ضمن تحالفات موجهة ضد أحد، والرئيس يريد لسوريا أن تنهض اقتصادياً، وبالتالي هذا الاتفاق سيكون داعماً بشكل أو بآخر للاستقرار في سوريا، لأن تركيا وباكستان لن تسعيا إلى تأجيج الحرب، ودورهما سيكون إقناع الجانب الإيراني بضبط النفس، وعدم استهداف السعودية ودول الخليج، وأيضاً ضبط الحوثيين، وسوريا بشكل أو بآخر سوف تستفيد من هذا الاستقرار وسيؤثر اقتصادياً بشكل إيجابي“.
السعودية رأس الحربة
اتفاق مكة في الوقت الحالي يراه خبراء المنقذ والمخلص من الفوضى وأجواء التعقيد التي تعيشها المنطقة، والحديث عن رسم خرائط التحالفات في الشرق الأوسط من جديد. لذلك، فإن اتفاق مكة، وإن كان هدفه المعلن حماية مصالح واستقرار السعودية وتركيا وباكستان، إلا أن خصاله الإيجابية، وتحديداً الاستقرار، ستشمل عدداً من دول المنطقة، وتحديداً سوريا، التي تريد أن تكون ضمن أي محور يعيد لها الاستقرار العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، نوه الخبير في الشؤون الصينية والآسيوية بأن “اتفاق مكة هو عبارة عن نوع من أنواع الوقوف إلى جانب السعودية تحديداً، لأن فعلياً لا يتم الهجوم على تركيا أو باكستان، وحتى لو تم هجوم مثلاً على باكستان من قبل الهند، هل ستتدخل السعودية؟ أنا أشك في ذلك، وهذا يعني أن الاتفاق موجه فقط لدعم السعودية، وجرى على الأراضي السعودية، وهو عبارة عن نوع من أنواع التحذير للميليشيات اليمنية والعراقية، أن السعودية قوية وما ينقصها من الدعم الأميركي بات متوفراً من قبل التركي والباكستاني“.
وأشار إلى أن “أي استقرار سياسي وعسكري سوف ينعكس أمنياً على سوريا، وسوف يزيد التعاون بين سوريا ودول الجوار، والدول الأبعد قليلاً، وسوريا بدأت في الأساس بالحوار الأمني بشكل مبكر مع كل من السعودية والإمارات والعراق ومصر، أما التنسيق مع الجانب اللبناني فقد بدأ ولكن بشكل خجول بسبب وجود بعض الإشكالات الخاصة بحزب الله، وأيضاً هذه الإشكالات سوف يتم حلها قريباً بشكل أو بآخر، وسوف يتم إقناع حزب الله بالتحول إلى حزب سياسي، وسوف يكون ضمن منظومة الدولة اللبنانية، وبالتالي التعاون الأمني سوف يكون أفضل، وحتى كلنا نشهد الآن تعاوناً أمنياً مثمراً ليس فقط مع دول الجوار والخليج العربي، وإنما أيضاً بدأ مع أميركا وأوروبا والتنسيق مستمر“.
- المدن


























