ثمة تساؤل تزداد وتيرته يوما بعد آخر، يتعلق بأسباب تعثر التحول الديموقراطي في عالمنا العربي مقارنة بالعديد من التجارب الناجحة في عدد من بلدان أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، بل وفي بعض الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي السابق؟! وفي اعتقادي أنّ أي محاولة جادة لبحث شروط وإمكانات ومعوقات التحول الديموقراطي في العالم العربي لا يمكن أن تكلل بالنجاح ما لم تسع جاهدة لمحاولة الإجابة على تساؤلات ثلاثة أولها: هل يشجع النظام العالمي الجديد، بما هو ترتيب للقوى الدولية وتنظيم للعلاقات ما بين الدول، على تحقيق الديموقراطية (أو بعض عناصرها) في الدول العربية؟ ثانيها: هل تسمح البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العربية بولادة نظام ديموقراطي، أو هل تقبل بوجود حركة ديموقراطية اجتماعية؟ ثالثها: هل هناك مصدر ثابت ودائم، داخليا أو خارجيا، لتغذية المطلب الديموقراطي والقيم المرتبطة به؟
سنحاول هنا الوقوف على بعض الإشارات التي تحمل في طياتها إجابة صريحة أو ضمنية لتلك التساؤلات. فعلى المستوى الأول يمكننا القول إن ثمة تناقضا في النظام العالميّ الجديد الذي اتخذ من احترام حقوق الإنسان ودفع المجتمعات المتأخرة في طريق الديموقراطية شعارا له، ليس بغرض تعميم تلك القيم، وإنما على العكس من ذلك تماما بغية توظيفه دعائيا لتأكيد الحق في السيادة، وضمان تبعية الآخر، وتأمين أدوات التحكم بالسياسات الوطنية، والإشراف على المصير العالمي، والحصول على حصة الأسد في ما يتعلق بتوزيع الموارد الدولية…إلخ!
أضف إلى ذلك أيضا أنّ مصالح النظام الدولي تتعارض مع مبدأ صدور السلطة السياسية عن الإرادة الشعبية في المنطقة لسببين رئيسيين: الأول أنّ بناء السلطة فيها على هذه الإرادة يعني زوال العديد من نظم الحكم الراهنة وتهديد مصالح الطبقات التي تعبّر عنها. الثاني: يتعلق بالمسألة اليهودية، وتدعيم أسس الاستيطان الإسرائيليّ، وضبط الوعي ورد الفعل الوطنيين العربيين في المنطقة بأكملها، ما لا يمكن أن يتفق مع تشجيع التعبير الحر عن الإرادة الشعبية. يترافق ذلك طبعا مع إدخال بعض التعديلات الشكلية للأنظمة الاستبدادية، وتحسين مظهرها حتى يمكن التغطية على اغتصابها السلطة الحقيقية.
أما على المستوى الثاني، فهناك ما يشبه الإجماع بأن البنى الفكرية والسياسية والاجتماعية العربية، بما تشتمل عليه من قيم وعادات وتقاليد، لا تقدم فرصا أفضل من أجل تعميق العملية الديموقراطية في المجتمعات العربية. ناهيك بأنّ القيم الحديثة المرتبطة بالنظم التي ترسخت أركانها منذ الاستقلال تعد أكثر بعدا عن الديموقراطية من القيم التقليدية، فإذا كانت نقاط الضعف بالنسبة للأخيرة نابعة مما كانت تعكسه من ذبول للروح المدنية (الاجتماع المدني السياسي) فإنّ عيب القيم الحديثة، كما تجلت في المجتمعات العربية، نابع من أنها تفتقر أساسا إلى الجذور الشعورية والتاريخية العميقة مما يحولها إلى مجرد قيم استهلاكية لا يؤمن بها أحد إيمانا حقيقيا، فضلا عن أن استخدام الأغلبية لها للتغطية على قيم المنفعة الشخصية!
أخيرا، وعلى مستوى التساؤل الأخير: هل توجد قوى اجتماعية داخلية حاملة لمشروع ديموقراطي؟ يمكننا القول: لم تكن الدولة التمثيلية التي نتجت عن المبادرات الديموقراطية التي تبلوت في حقبة ما بين الحربين العالميتين، تمثل إلا واجهة لسلطة اجتماعية واهية حيث كانت مرتكزات حكمها الحقيقية قائمة في ظل السيطرة العملية لقوات الاحتلال، وما إن حصلت الدول العربية على استقلالها حتى بدأت هذه النسخة الليبرالية والشكلية للديموقراطية تترنح تحت ضربات القوى الاجتماعية الجديدة التي نشأت في رحمها (الضباط، الطلبة، المعلمون، الفلاحون المتحررون) وكانت ردة الفعل من القوة بحيث كادت أن تقضي على تراث الليبرالية تماما وتحل محله فكرا سياسيا جديدا قائما على استلهام خليط من النظريات الماركسية والفاشية.
وقد أدى إخفاق النظم العربية في تحقيق الأهداف التي كانت تضعها لنفسها إلى تغيير عام في المناخ العربي العقائدي منذ نهاية السبعينيات، حيث بدأت الردة على الفكر الشمولي تتخذ طابعا أكثر عنفا وقوة منذ مطلع الثمانينيات التي شهدت عودة قوية لقيم الفكر الليبرالي. ولم يتأخر الواقع الاجتماعي عن التعبير عن هذا التحول العميق في الوعي العربي السياسي كما عكسته أدبيات تلك المرحلة، بخاصة مع تفاقم سوء الأوضاع الاقتصادية.
ومن ثم كان من نتيجة تفاعل الفكر مع الواقع أن شهد العالم العربي أولى حلقات انكسار النظام المطلق ودخول عصر التحول الديموقراطي. بيد أنّ هذا التحول في المناخ الفكريّ السياسيّ لم يحدث نتيجة تكون قوى اجتماعية جديدة أكثر صلة بالفكرة الديموقراطية، بقدر ما جاء كثمرة طبيعية لتبدّل مزاج الطبقات الوسطى ذاتها والتي سادت في العقود الثلاثة من ستينيات إلى ثمانينيات القرن الماضي وراء نظام الحزب الواحد والاستبداد.
وفي المحصلة؛ لم يأت التوجه الجديد إذاً نتيجة قناعات ونضج عام بقدر ما جاء كحل هامشي أو تعويضي لمشاكل اقتصادية وأمنية سياسية متأزمة. ولعل ذلك يفسر بعضا من سوء التفاهم الحاصل بشأن هذا التحول منذ البداية بين جميع الأطراف الاجتماعية المتباينة. وتبعا لذلك يصح القول إن التجارب الأخيرة التي قامت في مصر والجزائر وتونس تدل على أنّ هذه الطبقات التي تظل متعلقة بحلم الانتقال إلى الديموقراطية ليست مستعدة بعد للقبول بمخاطر كبيرة للانخراط فيها وتحقيق حلمها، وأنّ تطابق شعار الديموقراطية مع شعار التغيير هو الذي يعطي الانطباع السائد بأنّ العالم العربي قد كسب نهائيا لصالح الفكرة الديموقراطية!!
() أكاديمي وباحث مصري.
المستقبل




















