من السهولة بمكان قراءة السياسة التي يحاول الرئيس الاميركي بارك اوباما انتهاجها في الشرق الاوسط منذ فترة. هذه السياسة قائمة على المزاوجة بين التشدد حيال ايران وسوريا وتوجيه رسائل الى اسرائيل تؤكد الالتزام المطلق لامنها في مقابل ان تقبل بتقديم تنازلات على مسار التسوية مع الفلسطينيين.
والواضح ان إدارة اوباما لا تفضل السير في الخيار العسكري لوضع حد للملف النووي الايراني، وهي لذلك تستبدل اللجوء الى القوة بحشد تأييد دولي لفرض عقوبات جديدة على طهران.
فسلاح العقوبات هو الرافعة التي تستخدمها واشنطن من اجل إقناع اسرائيل بالتخلي عن الخيار العسكري. ولا تقف الادارة الاميركية عند هذا الحد، بل هي ذهبت في تبنّي الاتهامات الاسرائيلية لسوريا بتزويد "حزب الله" صواريخ "سكود" ومن ثم التهديد بعواقب مثل هذه الخطوة، علماً ان المسؤولين الاميركيين انفسهم لا يؤكدون ان في حوزتهم معلومات تثبت حصول مثل هذا الامر فعلاً.
لذلك لا يمكن وضع التحذيرات الاميركية إلا في سياق رسالة هدفها تأكيد اولوية التزام الولايات المتحدة أمن الدولة العبرية. ويكتسب التحرك الاميركي، سواء بالسعي الى فرض عقوبات على ايران او بتحذير سوريا من مغبة تزويد "حزب الله" صواريخ متطورة، مغزى مهماً في لحظة تعبّر فيها الحكومة الاسرائيلية المتشددة برئاسة بنيامين نتنياهو عن الخوف من إقدام اوباما على فرض خطة للتسوية في المنطقة.
فالرئيس الاميركي يريد من خلال التشدد مع ايران وسوريا ان يبعث برسالة الى اسرائيل والى القوى المؤيدة لها داخل الولايات المتحدة مفادها ان لا تغيير في التزام واشنطن حماية اسرائيل، وان الشكوى الاسرائيلية من الضغط الاميركي الذي يتعرض له نتنياهو ليس له ما يبرره، وان المطالب التي تقدم بها اوباما الى رئيس الوزراء الاسرائيلي من اجل تسهيل العودة الى المفاوضات على المسار الفلسطيني لا تعني تخلياً عن اسرائيل او تغييراً في جوهر السياسة الاميركية حيال تل ابيب.
وكل ما يجري الآن في المنطقة يوحي بأن اوباما يحاول المزج بين التشدد مع سوريا وايران والالحاح على نتنياهو لتلبية جملة مطالب تتعلق بمجموعة من الاجراءات التي تثبت للفلسطينيين انه صادق في سعيه الى اتفاق مع السلطة الفلسطينية.
لكن ليس بالضرورة ان ينجح اوباما في مسعاه بوجود حكومة اسرائيلية يتحكم بها اليمين القومي والديني. فنتنياهو يسعى الى شن حملة مضادة يرد فيها بوضوح على المناورات الاميركية، ولذلك قال في الذكرى الـ62 لتأسيس اسرائيل قبل ايام انه لا يثق إلا بالقوة الذاتية الاسرائيلية لحماية اسرائيل وليس بـ"الغرباء"، في اشارة واضحة الى اميركا. ولم يتأخر رد البيت الابيض على قول نتنياهو، إذ خيَّره السفير الاميركي السابق في اسرائيل مارتن انديك بين المواجهة مع ائتلافه الحكومي او المواجهة مع اوباما. كما ان حزب العمل الاسرائيلي، الشريك الثالث في الحكومة، بدأ يلمح الى احتمال الانسحاب من الحكومة بعدما قال رئيس الحزب وزير الدفاع ايهود باراك إن ليس من مصلحة اسرائيل الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة.
إذن يترك التوتر الاميركي – الاسرائيلي ذيوله على اكثر من صعيد ويمكن ملاحظته في رفض نتنياهو وصقور حكومته أي محاولة او توجه اميركي نحو صوغ خطة للتسوية ترمي الى دفع حل شامل للصراع العربي – الاسرائيلي الى الامام.
وعلى رغم كل ما قدمته الولايات المتحدة لاسرائيل منذ عام 1948 وحتى الان، فإن نتنياهو لا يثق بأميركا، فكيف سيثق بالفلسطينيين او الدول العربية؟ لذا لا يعدو كلامه عن السلام سوى ذر للرماد في العيون وكسباً للوقت ريثما لا يعود من الممكن تغيير الامر الواقع الذي تفرضه اسرائيل باحتلالها الارض واستيطانها.
"النهار"




















