يقع البحث في شكل عام أو لنقل أفكار هتشيون، أستاذة الأدب الأنجليزي والمقارن في جامعة تورنتو (كندا)، ضمن إطار متابعة التغيرات الفكرية في دنيا الإبداع الثقافي بهدف مواكبتها والتكيف معها. وبكلمات مقتضبة تدرس في شكل رئيس سياسة ما بعد الحداثية (Postmodernism) وتحديها لفكرة التمثيل(representation) في عالم الفنون.
لذا، كان من الضروري "إعادة تقديم الما بعد حداثي" المنبثّ في كافة الفنون تقريباً وأخذه كمنتج "ثقافي"(ضد طبيعي) من صنعنا وليس معطى لنا. وبخلاف من افترض استحالة انخراطه في ما هو سياسي، رأت الباحثة أنه لا يقدر إلا أن يكون سياسياً، بمعنى أن صيغ تمثيله ليست حيادية، وبحسب ألان سوكولا:" إن التجريب الإستطيقي المابعد حداثي يجب أن يُنظر اليه على أنه ذو بعد سياسي ملازم، فهو مرتبط ارتباطاً لا يحل بنقد السيطرة"، أي أنه متواطئ (فكرة التواطؤ) مع ما يريد نقده أو تدميره. وتُشهد الكاتبة على ذك رواية Star Turn لنايجل وليامز، فرئيس بطل الرواية آموس، يقول له:" أنت لا تقدر أن تختبئ خلف بلادك ثم تزدريها في نفس الوقت، كما أنك لا تستطيع أن تتفادى التاريخ". وهذه الرؤية نعثر عليها كأساس تصوري في عدة نظريات منتشرة ولاسيَما في الأدب والتصوير. وتأخذ هتشيون العمارة مثلاً، فالمابعد حداثية توظف الأشكال المأخوذة من الماضي لتخاطب المجتمع صدوراً عن قيَم وتاريخ ذلك المجتمع بينما هي تقوم بعملية فحص له.
يشمل "التمثيل الما بعد حداثي" مجمل النتاج الإبداعي في عصر الحواسيب والأقمار الصناعية، غير أنه يفسح في المجال لعلاقات ممكنة أخرى بين الفن والعالم، منها المزج بين الواقع والخرافة، لكن في ترسيم واضح للحدود بينهما كما في قصة بيتر دايفس "الأمير تشارلز ينجو من الإعدام". هذا، وتعصى الممارسات التمثيلية الما بعد حداثية على الضبط والسيطرة وتفرض بالتالي طرائق أخرى لدرسها ومقاربتها ولا سيَما موضوعة "المركز" سواء كان "الإنسان" أو "الحقيقة" أو أي شيء آخر. وأكثر ما يتجلى ذلك في تقديم "الذات المتمركزة" كما في السيرة الذاتية الما بعد حداثية على نحو ما فعل بارت في "رولان بارت بقلم رولان بارت". وتتقصى الباحثة سياسة التمثيل(المصالح المحركة ) الموجودة في الخطاب الفوتوغرافي كوسيلة بصرية، حيث توضع أشكال التمثيل السابقة والمألوفة في سياقات جديدة ساخرة ونقدية. وكذا الأمر في السرد القصصي، فيصف ليونارد دايفس سياسة التمثيل القصصي الروائي بالقول إن: "القصص لا ترسم الحياة، وانما ترسم الحياة كما تصفها الأيديولوجيا"، وتعتبر هتشيون بدورها القصة "عملا رمزيا إجتماعيا". ومن خلال النماذج الروائية تتضح المفارقة الما بعد حداثية في "توظيف" التاريخ و"إساءة توظيفه".
وعلى هذا النحو جرت "إعادة تقديم الماضي" إنطلاقاً من تجريد "التاريخ الكلي" من كليته أي وحدته التامة السائدة عند هيغل ومدرسة الحوليات الفرنسية كما مثلها فرنان بروديل. وكذلك القول بإمكان معرفة الماضي في الحاضر بالبحث في "رابطة الفعل الحاضر والشيء الماضي الغائب"، ومن ثم محاولة حل التوترات بينهما كما في رواية سلمان رشدي "أولاد منتصف الليل". والنظر الى السجل كأثر كتابي بوصفه "نصاً" بمعنى التمثيل، وانفتاحه بالتالي على عملية التأويل. وترى الباحثة أن النصوص الحداثية تستخدم الوثائق التاريخية "بطريقة هدفها التوكيد على الطبيعة غير الثابتة لأشكال تمثيل الماضي تلك والشكل القصصي لها الذي نقرأه".
تدل "سياسة الأثر الأدبي الساخر(البارودي)" وعبر عملية مزدوجة تشمل الإدخال والتهكم، أن أشكال التمثيل الحالية مشتقة من أشكال تمثيل سابقة للربط بين الزمنين ولكي يقبض الحاضر على الماضي بعيداً من أي مشاعر حنينية ساذجة الى ما فات، فالقصة البارودية ما بعد الحداثية في عرف هتشيون: "نقدية تفكيكياً وخلاقة بنائياً، وهي تجعلنا نعي، وبطريقة تناقضية، حدود التمثيل وقواه كليهما"، واذ يجري التهكم من الأيديولوجيا فبهدف نقدها، كما فعلت كريستا وولف في مؤلفها "كساندرا" حين أعادت كتابة قصة هوميروس عن الرجال والحرب بطريقة ساخرة مقدمة أسباباً إقتصادية وسياسية (للإستيلاء على مضيق البوسفور) وليس عاطفية لحرب طروادة.
وفي "توترات حدود النص/الصورة" انشغلت الباحثة بالفوتوغرافيا الما بعد حداثية كما تجلت على يدي باربرا كروغر وفيكتور بورغين، التي جهدت في تجريد فكرة التمثيل من طبيعيتها في الفن العالي. بيد أنها قامت بذلك من داخل الأعراف التي تبغي تفكيكها، ولذلك بقيت في رأي هتشيون في متناول قطاع واسع من الشعب، بسبب جمعها البعديَن اللغوي والبصري معاً، كخطابين غير منفصلين. وفي نظرها، يشكل التصوير الفوتوغرافي باراديغم ما بعد الحداثية لإنطوائه في ذاته على مفارقات عديدة: فهو من جهة قابل للنسخ ومن جهة أخرى فردي ومقنن ويحاول أن يسويَ بين عين المصور وتقنية آلة التصوير. وكما عبرت س.سونتاغ هو "خضوع للواقع وهجوم عليه، ووسيلة استفادة من الواقع ووسيلة عزله"، ما يشير الى تضافر النظرية(لا سيَما الماركسية، النسوية، التحليل النفسي، التفكيكية) والفن في سياسة ما بعد الحداثية.
في مقاربة "ما بعد الحداثية والحركات النسوية" يظهر الجسد موضوعاً للتمثيل ولمواجهة الممارسات الثقافية للنظام الذكوري والأبوي. وقد عملت "النسوية" على التفكير بجسد الأنثى ورغباته، ومحاولة انتزاع الرغبة من السيَاق الثقافي السائد في وصفها نتاجاً للخطاب المخيالي والشهواني. لكن، هل ثمة نظرة "أنثوية" (معارضة) أو امكان لإنشائها؟ الرد بالإيجاب، لكن من داخل سياسة التمثيل القديمة بتجريدها من معناها ومن خلال النقد التفكيكي.
[الكتاب: سياسة ما بعد الحداثية
[الكاتب: ليندا هتشيون
المترجم: حيدر حاج اسماعيل
الناشر: المنظمة العربية للقراءة مركز الدراسات الوحدة العربية بيروت 2009
"المستقبل"




















