– 3 –
تعتقد جهات عربية متابعة لتطور العلاقات بين الولايات المتحدة وايران، سواء عندما كانت "شاهنشاهية" أو بعدما صارت جمهورية اسلامية، اي عندما كانت علاقة "تحالف" وتحولت علاقة عداء ومواجهات، ان هاتين الدولتين محكومتان بالعودة الى نوع من التفاهم العميق الذي يمكن ان يرقى مستقبلاً الى التحالف، كما يمكن ان يبقى على حاله. وهي تعزو ذلك الى التقاء استراتيجي للمصالح بينهما، امنية كانت أو عسكرية أو نفطية أو اقتصادية عامة أو سياسية، لا بد ان يفرض في يوم قد لا يكون بعيداً مصالحة فتفاهماً يتضمّن في جملة ما يتضمن توزيعاً للنفوذ في المنطقة، قائماً على المشاركة وليس على أي مفهوم آخر فيه انتقاص للسيادة والدور الايرانيين. أما التقاء المصالح المذكور، فانها تردّه الى امور عدة، أهمها واحد سياسي من حيث المبدأ، بل ديني، وتحديداً مذهبي. فالاصولية الاسلامية العامة التي ساهمت الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 ثم الجمهورية الاسلامية في إحيائها داخل الفرعين الابرز في الاسلام أي السنة والشيعة، صارت تشكل اليوم خطراً كبيراً أولاً على مُحْيِيتها ايران الشيعية، وكذلك على الغرب كله بزعامة الولايات المتحدة وهو مسيحي ديناً في المنطقة وعلماني سياسة ودولاً. ذلك ان السنّة في العالمين العربي والاسلامي يشكلون قرابة 85 الى 86 في المئة من المسلمين أي الأكثرية الساحقة. وان التيارات الاصولية السنية تنتشر في أوساط هذه النسبة التي تفوق مليار مسلم بسرعة انتشار النار في الهشيم. وخطرها على اميركا ناجم اولاً عن امكان نجاحها في القضاء على الانظمة التقليدية، وإنْ اسلامية، المتحالفة مع أميركا وفي اقامة "أنظمة شرعية" مكانها. وناجم ثانياً عن عدائها المطلق لأميركا من منطلقين: سياسي وديني، وخصوصاً بسبب انحيازها التام الى اسرائيل وحمايتها لها ووقوفها ضد القضايا العربية المشروعة وفي مقدمها فلسطين واكتفائها بدعم الحكام في الدول العربية والاسلامية وتجاهلها حقوق الشعوب فيها التي بالغ هؤلاء في اتهامها ومصادرة إرادتها. وناجم ثالثاً عن امكان تهديدها اسرائيل فعلياً، وتالياً عن امكان سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية الغنية أولاً بنفطها وغازها وتالياً بموقعها الاستراتيجي وبممراتها المائية وما الى ذلك. أما خطرها على ايران وإن اصولية فناجم في الدرجة الأولى عن طغيان الفكر المذهبي في الوسط الإسلامي المتنوع، بل عن تحوله صراعاً مكشوفاً، ولكن مغطّى بقضايا اسلامية عامة، أو قومية أو وطنية أو أصلاحية – مطلبية، علماً ان المذهبية كانت دائما موجودة في العالم الاسلامي لكنها بقيت نائمة معظم القرن العشرين. ولم توقظها إلا الثورة الاسلامية في ايران وخصوصاً بعدما صار تصدير الثورة الاسلامية والشيعية في آن واحد والاستحواذ على الدور الاول في المنطقة هدفاً لها، وبعدما نفّذت سياسة تسلُّح تجعل من العسير على المسلمين الآخرين وفي مقدمهم العرب الوقوف في وجهها. ومنبع الخطر على ايران ايضاً من كونها دولة شيعية في غالبيتها رغم تنوعها الاثني والمذهبي ومحاطة بعالم سني يتحول نحو الاصولية المُكفِّرة للشيعة. وفي وضع كالمشروح أعلاه، ترى الجهات العربية المتابعة لتطور العلاقات بين واشنطن وطهران اياها ان مصلحة ايران، وإنْ اسلامية، تقتضي الاستناد الى حليف قوي – بل الأقوى في العالم – له مصالح كثيرة في هذه المنطقة. وتعتقد ايضاً ان مصلحة اميركا تقتضي ان يكون لها حليف قوي داخل هذا العالم السني الشاسع مساحة وديموغرافياً والضعيف أنظمة ودولاً ومؤسسات مدنية وعسكرية ولكن المعادي بشعوبه لها حتى الانتحار أو الاستشهاد. حليف قادر على منع هذا العالم من تهديدها وحلفائها بل من تشكيل خطر جدي عليهم.
كيف تنظر ايران الاسلامية الى هذه الاعتقادات؟
لم نسأل طبعاً مسؤولين ايرانيين عن هذا الأمر لاننا لم نرَ أياً منهم منذ سنوات قليلة، رغم إثارتنا اياه مع ايرانيين موالين للنظام أكثر من مرة ومع لبنانيين قريبين من طهران في المرة الاخيرة. لم يستهجن القريبون الاعتقادات المفصلة اعلاه ولا التقاء المصالح بين اميركا وايران ولا حاجة كل منهما الى الآخر في مجالات معينة. لكنهم قالوا ان دونها عقبات جدِّية أهمها ثلاث: الأولى، استمرار النظام الاسلامي حاكماً في ايران وامتناع اميركا عن اي محاولة لإزاحته أو لإضعافه. والثانية، الدور الايراني في المنطقة. وفي هذا المجال لا تقبل ايران وبعدما صارت دولة اقليمية عظمى وبعدما صارت دولة نووية أو تكاد ان تصبح كذلك، دوراً بسيطاً، فهي تتمسك بدور اساسي ومهم وواسع سياسياً وجغرافياً وربما أمنياً، كما تتمسك بأن تكون شريكاً لأميركا في التقرير والتنفيذ وليس مجرّد تابع كما كانت الحال ايام "الشاه" أو كما هي الحال مع الدول الحليفة لأميركا في هذه المنطقة. أما العقبة الثالثة فهي اسرائيل. في هذا المجال تتمسك ايران الاسلامية بأمرين: أولهما، عدم الاعتراف باسرائيل او "التصالح" معها، ولا يعني ذلك "منع" العرب من التصالح معها ولا مبادرتها هي الى الحرب ضدها مباشرة وبالواسطة، الا طبعاً اذا تعرضت لاعتداء عسكري اسرائيلي.
هل من رأي اميركي "باحث" في العقبات الثلاث المذكورة اعلاه؟
سركيس نعوم
"النهار"




















