حسنا فعل الصديق سمير الزبن بنقاشه مجددا موضوع الدولة الواحدة ("المستقبل" 12/4)، لاسيما انه لم يحصر نقاشه بثنائيات (مع أو ضد)، ولا بمقولات مغلقة أو مطلقة، بقدر ما كشف عن إشكاليات تحيط بتلك المسألة.
وقبل مناقشتي لتلك المادة أود أن أشير إلى انه لم يصدف أن وجدت حركة وطنية نفسها حائرة في تعيين أهدافها، كما هو حال الحركة الفلسطينية، التي تأسست على تحرير فلسطين، ثم نادت بدولة واحدة ديمقراطية في كامل فلسطين، وبعدها تبنّت مشروع دولة في الضفة والقطاع كحل مرحلي (أواسط السبعينيات)، وصولا إلى قبولها بمرحلة الحل المرحلي وفق صيغة اتفاق أوسلو (1993).
وربما يمكن إحالة ذلك إلى طبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، الذي يتميز بسمتين، أولاهما، طابعه الإحلالي، الذي يعتمد اقتلاع أهل الأرض الأصليين، وإزاحتهم من الزمان والمكان، وإحلال اليهود بدلا عنهم. وثانيتهما، أنه لم ينبن على ادعاءات اقتصادية، وإنما على ادعاءات أيدلوجية (دينية)، باعتبار اليهود شعبا، وباعتبار فلسطين، هي "ارض الميعاد" خاصتهم.
وقد نجم عن ذلك واقع أن الفلسطينيين لايواجهون جيش دولة استعمارية فقط وإنما هم يواجهون مجتمع هذه الدولة أيضا، الذي يتماهى مع أيدلوجية دولته، ويتبنى روايتها. والأنكى أن هؤلاء المستوطنين، لم يعودوا في أغلبيتهم مستوطنين/ مهاجرين، حيث ثمة اليوم حوالي 65 بالمئة من اليهود في إسرائيل من مواليدها، ولايعرفون وطنا أم أخر لهم، ما يزيد من صعوبة وتعقيد قضية الفلسطينيين.
ولعل هذه التعقيدات والصعوبات الموضوعية والذاتية تفسّر أساسا تحول الفلسطينيين من هدف لأخر، في محاولة منهم للتحايل على استشراس إسرائيل في قضم وتهويد أرضهم، وعلى الاختلال في موازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية لغير صالحهم؛ بعد أن بات بمعلومهم أنهم يواجهون إسرائيل شعبا وجيشا، في أن، وأنهم بمواجهتهم لها يقفون في مواجهة القوى الغربية (ولاسيما الولايات المتحدة).
على ذلك فإن قيادة الحركة الفلسطينية، عندما تبنّت حل الدولتين، كانت تعتقد إنها بذلك تعقد نوعا من مساومة تاريخية مع الشرعية الدولية، ومع الدول الكبرى، كما مع أقسام من المجتمع الإسرائيلي، التي لاترضى باحتلال إسرائيل للضفة والقطاع (1967). وبحسب التجربة فإن هذه المراهنة، حتى على مستوى اتفاق أوسلو المجحف (1993)، لم تكن مجدية، فالقوى الدولية لم تضغط على إسرائيل، والمجتمع الإسرائيلي تحوّل نحو اليمين (لأسباب شتّى)، والنتيجة أن إسرائيل باتت أكثر سيطرة في الضفة والقطاع اليوم، أكثر من أي يوم، بعد 17 عاما على هذا الاتفاق!
لكن المشكلة لاتقف عند هذا الحد، ذلك أن طرح فكرة "الدولة الواحدة"، الديمقراطية العلمانية (بأشكالها) لا يتأتّى من أفول حل الدولتين، وإن أضفى عليها ذلك مزيد من المشروعية، وإنما هو يتأتى أيضا من عجز هذا الخيار عن إيجاد حلول منصفة (ولو نسبيا) لمختلف مشكلات الشعب الفلسطيني، كما للمشكلات الناجمة عن وجود إسرائيل (كدولة عدوانية ودينية ووظيفية) في هذه المنطقة.
الآن، وبشأن نقاش الإشكاليات، يعتقد الزبن بأن التحول من حل الدولتين إلى الدولة الواحدة يستنتج منه أن قضية فلسطين أضحت "قضية "تمييز عنصري" لا قضية تحرر وطني". وعندي فإن ذلك مجرد استنتاج ذاتي، في غير محله. ومثلا، فهل اختزال قضية فلسطين بدولة في الضفة والقطاع يفيد بالحفاظ عليها كقضية تحرر وطني في حين أن طرح الصراع على كامل فلسطين يفيد بانتقاص هذا الطابع؟!
في هذا الإطار فإن طابع القضية هو الذي يحدد مضمونها، أما بالنسبة للهدف المطروح فهو كناية عن حل أو عن رؤية لطبيعة حل، لقضية جدّ معقدة ومركّبة. على ذلك فإن طرح فكرة الدولة الواحدة يحاول أن يتمثل في مضامينه مجمل تجليات الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين، أي قضايا الاحتلال والاستيطان وحق العودة ومكانة القدس والعلاقات التمييزية وسبل العيش المشترك، وعلى أساس تقويض الصهيونية ومختلف تجلياتها (الأمنية والأيدلوجية). أيضا، فإن مسألة التحرر الوطني لاتقتصر على مواجهة المشروع الصهيوني، وإنما هي تشمل نضال الفلسطينيين من اجل تحقيق ذاتهم كشعب، وصوغ هويتهم الوطنية (ضمن الانتماء العروبي). وبذلك يمكن للمشروع الوطني الفلسطيني أن يكون مشروعا مناهضا للاغتصاب (1948) وللاحتلال (1967) وللعنصرية الإسرائيلية (المتاسسة على الأساطير الدينية).
وعليه، فإنني اعتقد بأن طرح الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية (بمختلف تجلياتها)، ليس أيدلوجية، وهو ليس مسألة حتمية، مثلما انه ليس مسألة راهنة، فهذا الطرح هو عبارة عن فكرة أو عن رؤية لمسار مستقبلي، يمكن أن تتحقق بصيرروة، وليس بقرار ولا بمفاوضات. وهذه الرؤية المتضمنة أبعادا سياسية واجتماعية وثقافية، يمكن لها أن تسهم بتوليد نوع من أفق مشترك للفلسطينيين (باتوا يفتقدون له الآن) في مختلف تجمعاتهم، وعلى اختلاف أوضاعهم وأجندتهم، مايسهم بتعزيز هويتهم الوطنية، ويصون وحدتهم كشعب. فوق ذلك فإن هكذا أفق هو الذي يضمن تشكيل حاضنة لمختلف إشكال النضال عند الفلسطينيين، بحسب ظروفهم (ضد الاحتلال والتهويد والتهميش والتمييز العنصري)، على أساس من التكامل.
وفي ذلك يبدو مشروع الدولة الواحدة، كرؤية مستقبلية، أكثر استجابة لمختلف تجليات الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بين مختلف الحلول الأخرى، ولكن هذا الحل بحاجة ليس إلى شريك لدى الطرف الأخر، فقط، ولكنه بحاجة أيضا وبشكل اكبر لتوليد الظروف والعوامل التي تسهم بتخليق هكذا شريك.
وبديهي فإن هذا الأمر يتطلب وجود حركة وطنية مناضلة وجادة وفاعلة، كما يتطلب ضغوطا مناسبة من الإطارين العربي والدولي، لكن كل ذلك يتطلب أساسا حركة وطنية توضح نفسها وتعرّف اهدافها وطرائقها النضالية بطريقة مناسبة، على أساس من الحقيقة والعدالة؛ على حد قول الراحل ادوارد سعيد. وعلى كل من يدري فلعل التاريخ يفاجئنا بأشكال حلول ليست في الحسبان؟!
"المستقبل"




















