صادفت في الأيام القليلة الفائتة ذكرى مرور مئة وخمسين عاماً على ولادة ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية. وقد احتفلت إسرائيل بها على نطاق واسع، تنفيذاً لقرار حكومي في هذا الشأن. وفي موازاة ذلك فإن الصحف الإسرائيلية كلها أصدرت ملاحق خاصة تضمنت قراءات توحي بأنها مستجدة وجاءت، في معظمها، مندرجة في إطار حقل المعاني المتجوهر في تعقب الصلة القائمة ما بين النظرية والتطبيق في أفكار هرتزل العامة.
وضمن هذا النسق كاد جميع المساهمين في هذه الملاحق أن يتفقوا على محصلة واحدة فحواها عدم تطابق دولة إسرائيل في صيرورتها الراهنة مع "دولة اليهود" المتخيلة التي هجس هرتزل نفسه بها، سواء في كتابه التي حمل هذا الاسم أو في روايته الخيالية "ألطنويلاند" (الأرض القديمة- الجديدة)، وهي الدولة التي توقع أن يكون في صلبها، ضمن أشياء أخرى، عناصر من قبيل فصل الدين عن الدولة، والمساواة لجميع المواطنين بغض النظر عن الانتماء الديني أو القومي أو العرقي، والتسامح مع الآخر. من ناحية أخرى فإن الجميع اتفقوا أيضاً على أن هرتزل كان بمثابة "حالم كبير" وأن الأحلام وحدها ما كان بإمكانها إخراج الفكرة الصهيونية إلى حيّز التطبيق. وهذا الوصف يفهمه إسرائيليون كثيرون بطبيعة الحال كنوع من المديح، فالكثير من القرارات غير المنطقية التي اتخذها قادة وزعماء الصهيونية ودولة إسرائيل عادة ما تحظى بتسويغ جاهز مؤداه "لو فعلنا ما هو منطقي فقط لما قامت الدولة أصلاً"!.
وفي الحقيقة فإن مقالات "الاحتفاء" بذكرى ولادة هرتزل خلت تقريباً من طرح أسئلة جديدة تتعلق بمقاربته لما يسمى "المسألة العربية" في فلسطين، بل على العكس من ذلك أكد أحد كبار الأساتذة الأكاديميين في إسرائيل، البروفسور شلومو أفنيري، أن هرتزل كان واعياً أن اليهود يمكن أن يكونوا عنصريين في سياق تنفيذ "مشروعهم القومي" المستل من "القومية الأوروبية" إلا إنه تغيّا أن تكون الغلبة في "دولة اليهود" من نصيب أصحاب الرؤية الليبرالية!، ومع ذلك فقد أخذ عليه افتقاره إلى الوعي الكافي إزاء واقع أن المشروع الصهيوني يمكن أن "يشكل محركاً رئيساً لصعود حركة قومية عربية فلسطينية".
أمّا رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي ترى قراءات إسرائيلية عديدة أنه "هرتزليّ الهوى" (يؤكد بعض هذه القراءات أن نتنياهو، ومنذ عودته إلى سدة الحكم، يبدو متركزاً إلى حدّ كبير في عرض حزب الليكود باعتباره الممثل الأفضل للفكرة الصهيونية في الوقت الحالي، وهو يرى أنه مكمل درب هرتزل، أو المحلل المعاصر له، لذا فإنه يُكثر من اقتباسه في المناسبات المختلفة) فإنه وجد ملاذه في استنتاجات كتاب جديد من تأليف إسحق فايس بعنوان "هرتزل- قراءة جديدة"، فخفّ لغاية في نفسه إلى تبنيها بحماسة منقطعة النظير، وانعكس الأمر في ثنايا الخطاب الذي ألقاه في الكنيست في هذه المناسبة يوم 26 نيسان 2010، والذي قال فيه: "لم يكن هرتزل يهودياً منغمساً في البيئة المحيطة وغريباً عن الحضارة اليهودية وكأن معاداة اليهود وحدها جعلته يفقه ما يتعرض له الشعب اليهودي. ولقد نُشرت اخيراً دراسة مهمة أظهرت عمق الجذور اليهودية لدى هرتزل حيث إنه كان يرتاد الكُنس مرات عديدة مع والده وتلا مقطعاً من التوراة لمناسبة بلوغه الثالثة عشرة من العمر (طقس ديني يهودي يحلل انتقال الصبي إلى عالم الكبار). إن نبضات التاريخ اليهودي قد دقت في شرايينه. كما أنه أدرك الحاجة الماسة للربط بين كنوز الماضي القديمة الكامنة لدى شعبنا والرؤية الحديثة التي تصون وجودنا مستقبلاً". وفي رأي نتنياهو فإن هرتزل تحلى بأربع ميزات هي: القدرة على استشراف الخطر، والقدرة على طرح الحل، والقدرة العملية على بناء المؤسسات نحو تطبيق الحل، والكاريزما المطلوبة لحشد صفوف النخب والعوام لتحريك المسيرة التي اعتقد بها. وشدّد نتنياهو على أن هرتزل قال مراراً وتكراراً إنه يجب تشكيل جيش يهودي، "وكانت هذه القضية مدعاة للسخرية منه بشكل لم يقلّ عما تعرّض له عند طرحه فكرة الدولة اليهودية، غير أنه أكد أن الجيش اليهودي هو شرط أساسي لوجود الدولة اليهودية".
وقد صدق من قال إن الزعماء الذين يكيلون المديح لأسلافهم إنما يقصدون كيل المديح لأنفسهم، ويبدو أن نتنياهو لم يشذّ عن هذه القاعدة.
وبما يتسّق مع هذا كله فإن القصة، التي جرى تداولها بل إعادة إنتاجها في مناسبة مرور مئة وخمسين عاماً على ولادة هرتزل هي القصة نفسها التي تكررت في مناسبة مرور مئة عام على وفاته في العام 2004، والتي يمكن تلخيصها على الوجه التالي تقريبًا: جرى امتحان هرتزل، بصورة مسبقة البرمجة، كـ "طبيب" شخّص بشكل سليم داءً أو مرضًا اسمه "اللاسامية"، لكن العلاج الذي وصفه، ورغم أنه كان العلاج الوحيد الممكن، أي الصهيونية، لم يكن كافياً لمعالجة المرض. وبيّن البعض أن هرتزل سعى إلى تطبيع الشعب اليهودي، أي جعله مقبولاً بين أمم العالم وشعوبه، لكن ما العمل، والكراهية لليهود تدل على أن المشروع كان محكوماً بالفشل؟ ومن هنا فإن الأهمية التي تُمنح للرأي العام العالمي ومواقفه إزاء إسرائيل وأعمالها وممارساتها تجاه الفلسطينيين، أو إزاء أي انتقاد جوهري للصهيونية، هي أهمية ضئيلة للغاية. وفي رأي البروفسور إيلان بابه لو أن المفكرين الإسرائيليين تفحصوا تراث هرتزل، ولو بقدر بسيط، من وجهة نظر الضحية الفلسطينية، حتى لو ظلوا في عالم التصورات الطبي للأمراض والعلاجات المحبّب لديهم، لكانوا توصلوا ربما إلى الاستنتاج بأن المرض كان فعلاً اللاسامية، لكن العلاج – أي الصهيونية – لم ينطو مطلقًا على بلسم شاف كما اتضح، وإنما كان علاجًا فاشلاً أدى إلى تفاقم المرض فقط، ولم يساهم قيد أنملة في القضاء عليه أو اجتثاثه.
وفي ضوء ذلك لا بُدّ من استعادة بعض الوقائع المتعلقة بصاحب هذه المناسبة وبقصته، والتي تكمن فيها جذور الأشياء كما كانت فعلاً لا كما يريدها "المحتفون" أن تكون، وهي والحق يقال وقائع مقبوسة من دراسات إسرائيلية أخرى لا تملك حظًا وفيراً من الإشهار في مثل هذه المناسبات لأسباب لا تُخفى على القارئ:
لم يكن هرتزل ذلك الرومنسي الذي حوّل حلمه الشخصي أيديولوجيا عامة شاملة، بل كان كولونيالياً سافراً. وقد كانت هذه هي الطريقة المثلى للتكفير عن إخفاقاته ككاتب مسرحي، حيث استبدل المسرح الفني بالمسرح الحقيقي للسياسة العالمية، والذي ألحقت به هوامش رحبة للعمل والتحرك، تمثلت في المناطق الجديدة التي احتلتها القوى الأوروبية العظمى خلال القرن التاسع عشر… بناء على ذلك سعى هرتزل إلى إعادة توطين اليهود كأمة عصرية، ليس في أوروبا وإنما في المستعمرات. وعندما يئس من إمكان تغيير أوروبا، لاءم هرتزل نفسه مع الاندفاع الإمبريالي الجامح في القارة نحو تغيير كل من وما هو غير أوروبي، وراح يستخدم من حين إلى آخر المصطلحات الكولونيالية في مشروعه الرئيسي من أجل الصهيونية مثل: الاستيطان والكولونيالية والاحتلال. ولا شك في النظرة المسلطة على هرتزل الآن تحاول أن تغطي على هذا الجانب من عمله وسلوكه، ذلك بأن الكولونيالية باتت تتساوى مع القمع والطرد والدمار. لكن بدون المقاربة الكولونيالية لا يمكن على الإطلاق تقويم نظرة هرتزل والصهيونية تجاه العرب عامة والفلسطينيين خاصة. من جهة أخرى فإن زاوية النظر هذه تتيح استشفاف ورؤية ما لم يرد ذكره في ثنايا كتابات وتنظير آباء الصهيونية. فعلى امتداد رواية "ألطنويلاند"، التي كتبت في مطلع قرن مناهض للكولونيالية، سنفتش عبثاً عن إشارة أو دليل في ما يتعلق بمصير السكان المحليين (الأصليين) في البلد النموذجي. وبنظرة إلى الوراء ندرك اليوم أنه لدى دمج أو مزاوجة القومية الرومنسية مع الكولونيالية على تراب بلد ما، فإن النتيجة الحتمية لهذا الأمر هي التطهير العرقي، كالذي جرى في عام 1948. فضلاً عن ذلك فإن التوقيت أيضاً لم يكن خفياً أو غامضاً. فلغاية ذلك العام، كانت الحركة الصهيونية خاضعة لسلطة الانتداب البريطانية، وكان "الييشوف" اليهودي أقلية في هذه المستعمرة البريطانية، يَفتقدُ القدرة على تنفيذ خططه ومشاريعه المتعلقة بالسكان المحليين. لكن زعماء "الييشوف" انتظروا فرصة سانحة. وقد اتضح في ما بعد أن أسلافهم، آباء الحركة الصهيونية في أوروبا، كانوا على حق عندما ربطوا مصير الصهيونية بالإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط (حسبما أوصى هرتزل بالفعل) وانشغلوا تحت هذه المظلة في بناء الدولة العتيدة وليس في التخطيط لهدم وتدمير المجتمع المحلي (في فلسطين). وعندما بلغ الانتداب نهايته، تغيرت هذه الإستراتيجيا. ويبدو أنهم استجابوا بجدية لتوصية نادرة قدمها هرتزل في ما يتعلق بالمستقبل الممكن للسكان "المحليين في صهيون". ففي مذكراته اقترح هرتزل طرد السكان الأصليين بـ"الخفاء" و"بسرية وبطريقة غير مباشرة". لكنه في العلن تحدث عن الرغبة في دفع مصالح "السكان الأصليين". وهذا الخطاب المزدوج وجه السلوك الصهيوني والإسرائيلي في عام 1948. وفي الوقت الذي أعلنوا فيه بصوت مرتفع عن رغبتهم في الاهتمام بحاجات سكان البلد كافة، كان زعماء "الييشوف" يصدرون أوامرهم ويوعزون بطرد الفلسطينيين.
لعل أفضل تقويم لما مثله مؤسس الحركة الصهيونية وهذه الحركة عامة يمكن أن نختم به هذه الوقفة هو ما كتبه الفيلسوف اليهودي مارتن بوبر في عام 1960 تزامناً مع احتفال إسرائيل بمرور مئة عام على ولادة هرتزل في سياق رسالة بعث بها إلى صديق أميركي وجاء فيها: "إن ثورة داخلية فقط بإمكانها إبراء شعبنا مما يعانيه من مرض عضال وكراهية غير مفهومة، سينزلان بنا كارثة. فقط إذا تحققت ثورة كهذه، سيدرك الشبان والشيوخ في بلدنا (إسرائيل) حجم المسؤولية التي نتحملها إزاء مصير اللاجئين العرب البؤساء، الذين وطّنا في مدنهم يهوداً من بلدان نائية، والذين نقطف نحن ثمار بساتينهم وحقولهم وكرومهم؛ وها نحن الآن نقيم في مدنهم، التي سلبناها ونهبناها، معاهد ودوراً للتعليم والرفاهية والصلاة نزعم ونتبجح داخلها بأننا "شعب الكتاب" و"نور للغوييم" (الأغيار)".
(باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- "مدار")
"النهار"




















