السادس من أيار يوم مشهود للحرية في التاريخ السوري، عزيز على قلوب كل السوريين ، باختلاف انتماءاتهم ومشاربهم، وهم ما زالوا يتطلعون لاستكمال الحرية.
في الساعة الثالثة من صباح ذلك السبت من عام 1916، أقدم جمال باشا قائد الجيش الرابع العثماني ــ المهزوم في حملته العسكرية على مصر، وجريا على عادة العسكر عندما يخسرون المعارك مع الخارج، فيتوجهون للقبض على السياسة ومفاصل الحياة والحركة في الداخل، ومحتميا بحال الطوارئ في زمن الحرب ــ أقدم على سوق واحد وعشرين مواطنا عربيا عثمانيا من النخب الفكرية والثقافية، سبعة منهم في سوريا وأربعة عشر في لبنان، إلى المشانق في ساحتي المرجة بدمشق والبرج في بيروت ( استحقت كل منهما لاحقا اسم ساحة الشهداء ). وكان الديوان العرفي في عاليه قد أصدرحكما بإعدامهم ، بعد محاكمة صورية لهم بتهمة الخيانة!.
لكن الخيانة لمن ؟…. إنها تحديدا لشخصه المعظم غير القابل للهزيمة لولا "الخيانة". فدائما وأبدا تكون الهزائم في الأنظمة الاستبدادية بسبب "الخيانات" وليست نتيجة لقصور واهتراء في بنيتها. و معاقبة "الخونة" ، وتداول أخبار محاكماتهم، قد يغطي على الهزيمة، كما يمكن أن يؤجل أو يحول دون الانهيار!
وللحقيقة والتاريخ لا بد من تفحص دقة الخيار في أشخاص الشهداء وفي مكان تنفيذ إعدامهم:
1ـ في انتقاء الأشخاص : السوريون السبعة المختارون هم من أكثر النخب الثقافية تأثيرا وفاعلية في تلك الفترة، وتوجهاتهم السياسية كانت إصلاحية دستورية معتدلة وسلمية. خمسة منهم كانوا أعضاء في "مجلس المبعوثان " ( عبد الحميد الزهراوي ورشدي الشمعة وعمر الجزائري وشكري العسلي و شفيق المؤيد العظم ) ، وبعضهم كانوا كتابا وأدباء وشعراء أصحاب مؤلفات لا زالت موجودة تشهد عليهم، وكلهم عزل إلا من الفكر والقلم؛ وخير ممثل لفكرهم (الشيخ الزهراوي) . وقد كان مدافعا صلبا عن دولة عثمانية، لكن مع إصلاحها بسياسية مدنية تعترف بالتعدد والتنوع فيها على أي أساس كان دينيا أو عرقيا، ولم ير في سعي أي عنصر من مكوناتها للتقدم المعرفي والثقافي مهددا بل رافدا ومثريا لها.
لكن اختيارهم جاء تطبيقا للقاعدة الوجودية الأساس بالنسبة لأي استبداد، وهي إفراغ الساحة من النخب الفكرية والثقافية المستقلة و المعارضة!.
1ـ في انتقاء المكان: الدقة في اختيار (ساحة المرجة)، التي كانت لها في تلك الفترة رمزية شعبية وثقافية عالية في سورية. ففي مقاهيها جرت الاحتفالات الشعبية الكبيرة بالدستوروتطبيقه عام 1909 ، وتعرف الشعب فيها على نخبه الوطنية ورجالاتها، وفيها أيضا تذوق الشعب بشكل علني وجماعي أنواعا جديدة من الثقافة: السينما والمسرح والموسيقى، إذ أعد فيها أول مسرح " في مقهى زهرة دمشق " وخرج فيها أكثر من 800 سوريا في أولى التظاهرات الشعبية انتصارا لحرية الرأي والتعبير، واحتجاجا على منع عرض مسرحي بعنوان "جريح بيروت "، الذي صور الانسحاب العثماني أمام القوات الإيطالية في المغرب تاركا الشعب أعزلا أمامهم . لذلك كان لا بد للسفاح المهزوم من تحويلها رمزا للترهيب والانكفاء.
لكن (ساحة المرجة )استمرت رمزا لشعلة الحرية، فعلى شرفة البلدية فيها رفع أول علم للتحرر من طغيان التتريك عام 1918، وفي نفس المكان تلي قرار المؤتمر السوري بالاستقلال وإعلان سورية مملكة دستورية، و منها أيضا انطلق يوسف العظمة ورفاقه إلى ميسلون. كل ذلك جعل من المرجة المكان الأكثررمزية للحرية في سورية!
و اليوم على نفس المنوال يسعى الاستبداد لتغييب النخب الثقافية الوطنية كما يسعى لتغييب رمزية المكان: " زيّنوا المرجة .." لكن لا زينة في المرجة.. فالسلطة مصرة على تغييب رمزيتها الثقافية التحررية، بل وعلى امتهانها وإهمالها، وغض الطرف عن تحولها مكانا لالتقاط بنات الهوى!.
أما المعارضة فحاولت إحياء تلك الرمزية، عندما اختارتها محقة مكانا للاعتصام والمطالبة ببعض هوامش الحريات العامة، لكنها ووجهت بالقمع السلطوي وبعصي الأعلام السورية التي حملتها شبيبة الحزب القائد ذلك اليوم، في انتهاك علني لحرمة العلم الوطني وقدسيته، التي يجب أن تبقى ظلا لجميع السوريين ومشتركا جامعا بينهم.
المرجة اليوم منعزلة وحزينة ..لا زينة فيها، كأنها تلبس الحداد على شهدائها الذين أضاع الاستبداد تضحياتهم.
فلنشعل لمرجتنا شمعة في القلب ، وشمعة على كل نافذة ، تحية لذكرى الشهداء، وأملا بتحرير جميع المناضلين من أجل الحرية !
6 ايار2010
هيئة التحرير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شهداء 6 أيار 1916 في دمشق
رشدي الشمعة، من دمشق
رفيق رزق سلّوم، من حمص
شفيق بك مؤيد العظم، من دمشق
شكري بك العسلي، من دمشق
عبد الحميد الزهراوي، من حمص
عبد الوهاب الإنكليزي، من دمشق
عمر الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر الجزائري من دمشق
شهداء 6 أيار 1916 في بيروت
أحمد طبارة، إمام جامع النوفرة في بيروت
أمين لطفي الحافظ، من دمشق
بترو باولي، من التابعية اليونانيّة، مقيم في بيروت
توفيق البساط، من صيدا
جرجي الحداد، من جبل لبنان
سعيد فاضل عقل، من الدامور بلبنان
سليم الجزائري، من دمشق
سيف الدين الخطيب، من دمشق
عارف الشهابي
عبد الغني العريسي، من بيروت
علي بن عمر النشاشيبي، من القدس
عمر حمد، من بيروت
محمد الشنطي اليافي، من يافا بفلسطين
محمود جلال البخاري، من دمشق
"النداء"




















