عندما يصبح الحديث عن القنبلة الديموغرافية الفلسطينية في صلب الخطاب الإسرائيلي الرسمي والشعبي، وينتقل النقاش حول مشروع " الترانسفير " وآليات التخلص من الوجود العربي داخل إسرائيل من أطراف الحياة الإجتماعية والفكرية فيها الى قلبها.
لقد ادركت إسرائيل ان الميزان الديموغرافي لا يعمل لصالحها، فبعد عقود قليلة سيصبح العرب اغلبية واليهود أقلية في فلسطين التاريخية إذا لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة، وحينئذ ستفقد إسرائيل طابعها اليهودي وتتحول اما الى دولة ثنائية القومية لكل مواطنيها او إلى دولة.
لذا فإن القادة الإسرائيليين – من اقصى اليمين إلى أقص اليسار – يعيشون اليوم حالة هلع من الديموغرافيا الفلسطينية الشابة ويصرون على "يهودية الدولة" وإستراتيجية "الترحيل".
فعدد السكان الفلسطينين في الضفة الغربية وقطاع غزة تجاوز الأربعة ملايين نسمة نصفهم دون الخامسة عشر – ويبلغ عدد سكان غزة مليوناً ونصف المليون نسمة مكدسين في مساحة لا تتجاوز 360 كم2. أما عدد فلسطيني 48 فيبلغ أكثر من مليون و 200 الف نسمة وهم يزيدون بمعدل 4.2% سنوياً
ولكن هذا النقاش وتلك الافكار التهجيرية،جزء لا يتجزأ من النظام السياسي أولا, و من المشروع الصهيوني ثانيا الذي يقوم على نقاء الدولة اليهودية وعلى حسم الصراع ديموغرافياً مع الفلسطينيين، والذي تبنته الحركة العمالية على مدار تاريخها و التي تركز على الديموغرافيا اكثر من الجغرافيا مقارنة مع اليمين الذي يركز على الجغرافيا ولا يهتم كثيرا بالديموغرافيا.
ولا يزال اليمين الاسرائيلي – ومعه الكثير من اليسار -، يعتقد بأن التوصل إلى إتفاقية سلام مع الحكومات العربية والفلسطينيين لا تشكل ضمانة حقيقية لوجود إسرائيل، لأن منطقة الشرق الأوسط منطقة غير مستقرة سياسياً وإجتماعياً .
في المقابل فإن اليسار الإسرائيلي الذي يعيش هاجس الدولة اليهودية الديمقراطية – أصبح يدرك إستحالة الجمع بين الإستمرار في إحتلال الأراضي الفلسطينية ذا ت الكثافة السكانية المرتفعة وبين الحفاظ على يهودية وديمقراطية الدولة العبرية.
هو يرى أن أمامه خيارين لا ثالث لهما: إما أن تبقى إسرائيل دولة يهودية لِجميع مواطنيها، وهذا لا سبيل إليه إلا بظهور دولة فلسطينية مستقلة، وإما أن تضم إليها الفلسطينين كمواطنين من الدرجة الثالثة أي محرومين من حقوق المواطنة الكاملة-. وعندئذ تتحول إسرائيل بالفعل إلى دولة عنصرية منبوذة من المجتمع الدولي ومن القطاع الليبرالي من يهود الشتات.
ولكن أقصى ما يطرحه اليسار الإسرائيلي هو دولة فلسطينية، ليست بالطبع على حدود 1967 دولة ميكي ماوس وصيغة ما للتخلي عن بعض الأحياء العربية في القدس الشرقية مع إسقاط حق العودة إلى فلسطين التاريخية، شريطة الإعتراف بيهودية الدولة ويشاركهم في هذا المطلب العلني، كافة النخب السياسية والفكرية الإسرائيلية.
لذا فإن القيادة الفلسطينية مجتمعة، تقاوم بشراسة مثل هذا الطرح، إدراكا منها بخطورته وعقم مندرجاته. وإذا ما تم تقنين إسرائيل بهذه الصفة "اليهودية " وجرى الإعتراف بها في المحافل الدولية، فهذا يعني ان يصبح الفلسطينيون لاجئين في أرضهم.
إن صمود الفلسطيني في أرضه وإصراره على البقاء في مخيمه وقريته ومدينته رغم كل الإجراءات الإسرائيلية التعسفية، هو الذي يقوض أركان المشروع الصهيوني الرامي إلى إفراغ فلسطين من سكانها. وعلى القيادة الفلسطينية بكافة أطيافها أن تكون رافعة هذا الصمود وأن تبذل المزيد من الجهد من أجل تمكين الفلسطينيين من البقاء في أرضهم.
" المستقبل "




















