لم تقل مجموعة "جي. كول" اليهودية في أوروبا، وقبلها مجموعة "جي. ستريت" اليهودية في الولايات المتحدة، غير ما يقوله العرب والفلسطينيون منذ سنوات عن "حل الدولتين" على أرض فلسطين التاريخية. لكن هذين القولين، بعد سلسلة اجراءات اتخذتها مؤسسات أمنية وأكاديمية واقتصادية في الولايات المتحدة والعديد من دول الاتحاد الأوروبي ضد نظيراتها في اسرائيل بسبب ممارساتها العنصرية وغير الانسانية ضد الشعب الفلسطيني، ليسا من النوع الذي يجوز التقليل من أهميته أو من تأثيراته المتوقعة في اسرائيل، وفي الغرب الداعم لها تاريخيا… فضلا عن العالم العربي الذي يمر بحالة احباط منذ مبادرة السلام التي أطلقها من بيروت في العام 2002.
ذلك أن "الدولة العظمى" الاقليمية، عسكريا واقتصاديا وعلميا وسياسيا، لم تصبح في العقود الستة الماضية على ما هي عليه حاليا الا نتيجة الدعم الواسع والمتنوع الذي قدمته لها هذه المجموعات، لوبيات ضغط لدى مراكز القرار في دول العالم، ومالا وفيرا وعلوما متقدمة ومهاجرين، في الوقت الذي كانت فيه النخب الحاكمة في تل أبيب تستغل هذا الدعم الى أبعد حد. ولعله لهذا السبب بالذات، لم تكن قليلة الرواج في العالم العربي سابقا، وربما حتى الآن لدى البعض، مقولة أن الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا هي الحاكمة فعلا – وإن من وراء ستار – في واشنطن وفي العديد من الدول الأوروبية.
الجديد الآن، هو أن تقول مجموعة "جي. كول"، في البيان الذي وقعه آلاف اليهود في أوروبا، أن "حل الدولتين" على أرض فلسطين هو المدخل لـ"انقاذ اسرائيل" من الخطر الذي يتهددها في هذه المرحلة … الخطر الذي "يكمن في الاحتلال ومواصلة الاستيطان في الضفة الغربية والأحياء العربية في القدس الشرقية"، وأن هذه السياسات "خطأ سياسي وأخلاقي" فضلا عن أنها "تغذي العملية غير المقبولة التي تواجهها اسرائيل في الخارج وتؤدي الى نزع الشرعية عنها"… فليس قولها هذا مما يجوز أن يمر مرور الكرام، أو أن يصح فيه المثل العربي عن "الكلام في كلام".
بل أكثر، فأن يعلن "يهود الشتات" (بحسب وصف موقعي البيان أنفسهم) أن مستقبل اسرائيل يتوقف "على تحقيق السلام بصورة عاجلة مع الشعب الفلسطيني على أساس حل الدولتين"… لأن اسرائيل هذه، من دون هذا السلام، "سوف تواجه قريبا خيارين كارثيين بالدرجة عينها: اما تصبح دولة حيث يكون اليهود أقلية في بلدهم، أو أن تنشئ نظاما يكون وصمة عار لها ويتسبب بتململ اجتماعي" في داخلها… فليس ذلك كلاما يهوديا، أو صهيونيا فقط، باعتباره يهدف الى "انقاذ اسرائيل" من نفسها ومن المخاطر التي تحيق بمستقبلها، كما يقول البيان، بل هو كلام سياسي دولي (وغربي بالتحديد) ويلتقي في مضمونه مع ما يقوله الرئيس الأميركي باراك أوباما وغيره من قادة دول الاتحاد الأوروبي علنا منذ فترة.
هل يغير ذلك من الواقع على الأرض، واقع الصلف الاسرائيلي تحت حكم اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو، وعمله بكل الوسائل لاجهاض أي مسعى للتسوية السلمية في المنطقة عبر اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة؟
من السابق لأوانه اعطاء جواب شافٍ على السؤال، الا أن ما لا شك فيه أن جزءا كبيرا من التصلب الاسرائيلي يعود الى عاملين غير اسرائيليين أصلا: أولهما، الوهن العربي الكامل في مواجهة قوة اسرائيل السياسية والعسكرية، فضلا عن الانقسام الفلسطيني الى مستوى التقاتل بالسلاح بين أطرافه والتفرد بما يشبه كانتونين منفصلين لا يستطيع كلاهما الحياة من دون أنبوب تنفس اسرائيلي، وثانيهما تعمد البعض في المنطقة (ايران وبعض حلفائها) التبرع لها بما يشبه "قميص هولوكوست" جديد من خلال تصعيد النغمة التي تتحدث، بمناسبة ومن دون مناسبة، عن "ازالة اسرائيل من الوجود" أو أقله "تغيير وجه المنطقة" في حالة نشوب حرب معها في أي يوم.
ويكاد يكون من المؤكد أن تصلب اليمين الاسرائيلي في هذه الفترة عائد بالدرجة الأولى الى هذين العاملين، وأن خلاف نتنياهو مع الادارة الأميركية (ومع غيرها في أوروبا) ينطلق من اقتناعه– الذي يريد أن يقتنع به هؤلاء بدورهم– بأن ما يتمسك به العرب والفلسطينيون حاليا أدنى بكثير مما كانوا يتمسكون به سابقا وسيكون أقل منه بكثير أيضا في المستقبل.
أكثر من ذلك، فربط اسرائيل القوي والمباشر بين التسوية مع الفلسطينيين من جهة ومشروع ايران النووي من جهة ثانية، ليس قضية وجود بالنسبة اليها – كما تدعي – بل يتعلق بتقاسم النفوذ على مساحة الاقليم بينها وبين ايران أولا وقبل كل شيء. فإذا باتت ايران دولة نووية، بموافقة اسرائيل والمجتمع الدولي أو من دونها، فان وجه الشرق الأوسط سيتغير فعلا عندها ليصبح شبيها بأوروبا المقسمة، شرقية وغربية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لا تستطيع قوة واحدة أن تعيد توحيدها (أو حل مشكلاتها، كما هو الحال بالنسبة للشرق الأوسط والقضية الفلسطينية فيه) الا في حال انهيار القوة الثانية ذاتيا من داخلها، على طريقة ما حدث للاتحاد السوفياتي وانهيار دول الكتلة الشرقية واحدة بعد الأخرى مطلع تسعينات القرن الماضي.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فقد يكون صحيحا ما يقال عن أن واشنطن (وربما غيرها من العواصم الأوروبية) عملت على انتاج "لوبيات يهودية" في بلدانها من أجل رفع الصوت ضد نتنياهو وسياسة حكومته الرافضة للتسوية، والممعنة في الاستيطان في الأراضي المحتلة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وأن "جي. كول " و"جي. ستريت" هما نموذج هذا الانتاج، لكن ألا يمكن العرب والفلسطينيين من ناحيتهم أن يستفيدوا منها، ومن مواقفها الرافضة لسياسات اسرائيل والمؤيدة للحق الفلسطيني، بل ألا يحتاجون هم اليه كما تحتاج اليه واشنطن وغيرها من الدول الغربية؟!
من نافل القول، أنه سبقت هذه الفئة من اليهود الأميركيين واليهود الأوروبيين قبل سنوات، مجموعة من المفكرين الاسرائيليين (أطلق عليهم اسم "المؤرخون الجدد") الذين أعادوا كتابة تاريخ ولادة دولتهم، معترفين بالجرائم المتعمدة وغير الانسانية التي ارتكبت في أثنائها ضد السكان الأصليين من الشعب الفلسطيني، لكن كتاباتهم هذه ذهبت أدراج الرياح … العربية.
وقد لا تعني مواقف اليهود الأميركيين والأوروبيين هؤلاء شيئا عمليا على الأرض، فيواصل اليمين الاسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو/أفيغدور ليبرمان والأحزاب الدينية المتطرفة رهاناته على الضعف العربي والانقسام الفلسطيني، وتغير مواقف ادارة أوباما وحكومات بعض دول أوروبا المؤيدة لاسرائيل تاريخيا، وحتى اقفال الملف النووي الايراني في النهاية لمصلحتها، لكن ألا يجدر بالعرب (نخبهم الثقافية والفكرية والمدنية، على الأقل) أن يضعوا امكان الافادة من الموقف الجديد لليهود هؤلاء بالحسبان؟
أم أن التغني بالتاريخ، تاريخ العلاقة بين العرب والمسلمين من جهة واليهود من جهة ثانية، يكفي هذه المرة أيضا، كما هو التغني بالأمجاد الغابرة على أنقاض حاضر لا يقول عربي أو مسلم واحد أنه يسره؟
"صحافي"
"النهار"




















