مع حديث العقوبات على إيران بسبب عدم تعاونها في ملفها النووي مع الوكالة الدولية للطاقة ومع المجتمع الدولي، تزداد الدول التي تطمح الى اكتساب الطاقة والتكنولوجيا النوويتين، لا سيما في الشرق الأوسط. ففي أسبوع واحد بحثت روسيا خلال زيارة رئيسها ديمتري ميدفيديف سورية الثلثاء الماضي، مع كبار المسؤولين السوريين، إمكان مساعدة موسكو في بناء محطة للطاقة النووية في سورية. وفي اليوم التالي، زار ميدفيديف تركيا ووقع الجانبان اتفاقاً من اجل بناء معمل لإنتاج الطاقة النووية.
وقبل ذلك أجريت السنة الماضية محادثات بين فرنسا ودولة الإمارات العربية المتحدة من اجل مساعدة فرنسا أبو ظبي في بناء معمل من هذا النوع. ومصر بدورها سبق ان أجرت محادثات في هذا الصدد مع فرنسا، فضلاً عن أن دولاً خليجية اخرى منها المملكة العربية السعودية سبق ان أبدت استعدادها لامتلاك الطاقة النووية في محادثات مع دول عدة منها روسيا.
ومع تقدم ايران في امتلاكها هذه الطاقة النووية، والتي يعود برنامجها النووي الى زمن الشاه أي الى السبعينات من القرن الماضي، ومع بدء إثارة موضوع الترسانة النووية الإسرائيلية لمناسبة عقد المؤتمر الدولي لمراجعة اتفاقية حظر الأسلحة النووية في الأمم المتحدة هذا الشهر، فإن الصورة عن تسابق دول المنطقة الى امتلاك التكنولوجيا النووية قد توحي بأن ما كانت تحذر منه الدول المعترضة على البرنامج النووي الإيراني بدأ يتحقق وهو سباق تسلح نووي بين دول الشرق الأوسط. إلا ان هذا الاستنتاج بعيد من الواقع، ليس فقط لأن السباق على امتلاك التكنولوجيا النووية هو غير السباق على امتلاك الأسلحة النووية، خصوصاً ان برامج الدول الحديثة العهد يتم التأسيس لها في شكل علني واتفاقات لا بد ان ترعاها الوكالة الدولية للطاقة، بل لأن امتلاك هذه الدول هذه التكنولوجيا سيستغرق وقتاً طويلاً. فوزير الطاقة التركي تانر يلدز أعلن امس ان بناء معمل للطاقة النووية بالاتفاق مع روسيا سيستغرق قرابة السبعين سنة. أي انه اذا كان هناك اعتقاد أن امتلاك هذه الدول الحديثة العهد في طموح الحصول على الطاقة النووية سيمهد لتوازن بينها وبين ما تمتلكه طهران وتل أبيب (التي بدأت برنامجها في أوائل الستينات من القرن الماضي) فإن الوقت الذي يستغرقه امتلاكها هذه الطاقة سيمر ويكون الذي «ضرب ضرب والذي هرب هرب»، كما يقول المثل العامي. أي ان الأزمة الراهنة حول النووي تكون على الأرجح قد انتهت، في هذا الاتجاه أو ذاك وتكون إيران حصلت بهذه الطريقة او تلك على شرعية ملفها النووي، مع تحديد وجهته وتشديد الرقابة عليه.
ولكن ما سيطرح نفسه على الدول الحديثة الاهتمام بامتلاك الطاقة النووية هو المفاضلة بين ما ستنفقه عليه من منظار ما سيوفره على اقتصاداتها بعد نجاحها في الحصول على معامل إنتاج الطاقة النووية، وبين إنفاق ما عليها إنفاقه من اجل تحقيق هذا الطموح، وبين صرف النظر عنه لمصلحة إنفاق تكلفته العالية على التنمية الاقتصادية في بلادها بدلاً منه. وهي مفاضلة مطروحة على إيران نفسها ايضاً، إذ عليها الاختيار بين الإنفاق الهائل على تطوير برنامجها المتقدم لامتلاك القنبلة النووية، مع ما يرتبه ذلك من مزيد من الإنفاق العسكري غير السلمي الأهداف، وبين إنقاذ الاقتصاد الإيراني المتدهور بالإنفاق على التنمية الاقتصادية لا سيما في مجال النفط … وثمة نظرية في الغرب تقول إنه اذا فشلت محاولات تطويع موقف ايران للحؤول دون امتلاكها القنبلة النووية، فلتترك في هذا السبيل لأن انهياراً اقتصادياً سيصيبها نتيجة هذا الطموح إذا صح انها ستسعى إليه. فصنع القنبلة يجب ان يتبعه إنشاء شبكة منصات إطلاق للرؤوس النووية. وهذه الشبكة تحتاج الى شبكات صواريخ تقليدية لحماية المنشآت النووية، وحماية شبكة صواريخ الحماية نفسها تحتاج الى غطاء جوي وأسطول طيران حربي… الخ وأكلاف كل ذلك ستقوّض الاقتصاد الإيراني.
وسواء صح ذلك أم لم يصح، فإن الاستنتاج الجوهري الذي يبقى صالحاً هو ان تكلفة الطموحات النووية على اقتصادات الدول التي تعمل له، عالية، وهي التي قد تؤثر في استقرارها السياسي في المستقبل. وإذا كانت الدول الغربية تسعى في هذا السياق الى جعل هذه التكلفة أعلى على إيران، بفعل العقوبات، فإن اللعبة باتت تقتضي ايضاً تعويض الدول التي عليها التزام العقوبات عما تجنيه من العلاقات الاقتصادية بين بعضها بعضاً وبين إيران. وأمام ذلك صعوبات تزيد من احتمالات فشل الاتفاق على العقوبات، وتعرض نجاحها إذا أقرت للتقويض.
"الحياة"




















