للكاتبة الأميركية جريتشن ماكوله
ترجمة محمد متولي وجريتشن ماكوله
ذات فجر، حينما رفرفت العصافير عاليا في السماء البرتقالية العكرة، لقيت كل من رمانة وخوخة مصرعهما. قالت اللافتة التي نصبت بجوار النخلة: "ابتسم، أنت في حي الينابيع العذبة". أوسع مفتشا مباحث يعتمران قبعتي بيسبول باب فيلا جارة رمانة طرقا. جعلتهما بدلتاهما المنفوختان يبدوان كبالونتين بشريتين.
تقمطت فيفي روبا قرمزيا من الحرير. "الساعة ستة الصبح… عاوزين إيه؟ ورّوني إثبات الشخصية!" أظهر لها المفتشان أوراقهما الثبوتية كما شاهدا في الأفلام. كانا شابين ريفيين في حاجة إلى وظيفة. أدخلتهما بامتعاض. قالت ساندة يدها على ردفها: "أي خدمة؟" كانت ترغب في التخلص من هذين المهرجين سريعا بما أن أفضل صديق لزوجها كان يفترش سرير الزوجية عاريا.
– "تعرفي جارتك رمانة في الفيلا اللي جنبكم؟"
– دي عيّلة بايظة … عاوزينها في إيه؟ كلبها دايما يعملها في الجنينة بتاعتي. هرش المفتش صقر في خصيتيه إذ بادرها المفتش باز بالسؤال: "يا ترى سمعتِ أي حاجة النهاردة الصبح؟" ردت فيفي التي لم يكن يشغل بالها أي شيء سوى الذهاب إلى النادي قائلة: "أيوه فعلاً، سمعت حاجة".
مال كلاهما للأمام بانتباه، فوضعت فيفي ساقا على ساق إذ كانت تلتذ بأي نوع من الاهتمام الذكوري. كان زوجها ذا كرش كبير ناتج عن الإفراط في التهام السمون فيميه وجبن أولد أمستردام واجتراع الشيفاز ريجال. من جهة أخرى، كانت فيفي يافعة لولا أن جعلتها شفتاها المنفوختان تبدو كضفدعة.
سأل المفتش صقر: "إمتى سمعتِ الدوشة"؟
ردت فيفي: "الساعة ستة الصبح. أنا متأكدة. ليه"؟
قال المفتشان: "حادثة قتل".
– "قتل"، همست فيفي وكأنها على وشك الإغماء.
لم ينتظر المفتشان صقر وباز حتى يمنعاها من السقوط على الأرضية الرخامية.
أخبرهما حارس مدخل حي الينابيع العذبة أنه لم يكن بإمكان الجيران سماع أي شيء بما أن الفيلات متباعدة. على كلٍّ، حدثت أشياء بهذا الحي لم يسمع عنها أحد، ولا حتى الصحافيون التابعون لجرائد المعارضة المناضلة.
لاحقا، في اليوم نفسه، وبعدما غادر أفضل صديق لزوجها، اتصلت فيفي بجارتها سوسو: "سمعت إن رمانة عندها مشاكل مع جوزها. مش قصدي إن هوالقاتل، بس الموضوع شكله مش حلوبالنسبة للعِيلة".
قال الحارس: "تعرفي إيه عن المشاكل اللي بجد؟ دا المرتب الكحيان بتاعي ما بيوَكّلش العيال مع إني باشتغل في أربع حتت".
قالت سوسو: "سمعت إن رمانة وجوزها اللي سايبها اتخانقوا يوم الحادثة".
سألت امرأة أجنبية: "هل القتل حادثة"؟
قالت فيفي لسوسو: انت طبعا عارفة إن مامتها هي الممثلة المشهورة نعناعة، وهي فاكرة إن جوز رمانة هوالقاتل.
ـ بس هم يا فيفي قبضوا على ولد حرامي واعترف. دا اتشعبط على سور المدينة.
شلاطة، اللص، تسلق شجرة ورد برتقالي ليصل إلى شباك الفيلا ذات الطوابق الأربعة. ورغم أنه كان بإمكانه أن يعتلي قمة أية شجرة كما القرد، فقد اشتبكت بالأغصان مزق من سرواله الداخلي. وبما أن صقرا وبازا كانا مفتشين جهبذين، فلقد تحرزا على سكين مدماة جاثمة بجوار جذع الشجرة. على أية حال، لم يبال أحد بسلاح الجريمة بينما استحوذ على الخيال الجمعي سروال شلاطة الداخلي المقلم بخطوط خضراء وبيضاء.
ذكّر هذا المشهد عامة الناس بقطع القماش المربوطة بأغصان الأشجار المقدسة. وسرعان ما صدق الناس في قدرات شلاطة الروحانية. وتعجب الآخرون من فكرة أن يقوى صبي نحيل على طعن فتاتين في آن معا. وانتشرت رواية أخرى تفيد بأن شلاطة كان مدمنا للكُلّة حتى أن البعض لقبه بـ"شلاطة كُلّة".
وبرغم الإرهاق البادي على المفتشين وقلة المال الذي يتقاضيانه، فقد رافقا شلاطة إلى أروقة العدالة. هرش شلاطة في رأسه قائلا: يا حضرة القاضي، أنا فعلا مش فاكر ليه قتلتها. داس المفتش صقر على قدمه فعدل من كلامه: قصدي قتلتهم…أيوه، قتلتهم هم الاتنين…واحدة قتلتها عشان الولاعة بتاعتها والتانية كان عندها موبايل آخر موضة.
لاحقا سحب شلاطة اعترافه أمام الصحافيين وأراهم مشهدا، أوفلنقل رؤية، لخروف يتم ذبحه يتحرك في قبعة البيسبول بعدما خلعها عن رأسه. تشابهت عناوين كل صحف المعارضة المناضلة: "شلاطة المتنبئ بالمستقبل". ربما كان شلاطة نبيا. كانت عيونه تزوغ رعبا لكنه كان يقول الحقيقة. بسلسلة من أظافر أصابعه معلقة في رقبته جرؤ على التصريح بما لم يقوعليه الكثيرون تجاه الدولة: الكبار يعرفون. تقدَم الخراف أضحية للكبار. يدهس الكبار الصغار كالصراصير. بل صار شلاطة كذلك تعويذة لفريق المدينة لكرة القدم الذي كان يخسر مبارياته عادة، حتى لقد طلب مدرب الفريق من المفتشين صقر وباز استعارته من السجن. فربما كان شلاطة هواللمسة السحرية المطلوبة لمحاربة الفريق الآخر الذي يدعمه "الكبير". رفض الطلب، على أية حال.
لم ترتد فيفي أية ملابس للخروج قبل أن تقود سيارتها إلى صالون التجميل لتصبغ شعرها بلون أشقر خالص. وعندما تكوم شعرها برقائق الألومنيوم وبدت ككائن أشعث من المريخ، صرحت لمصفف شعرها: رمانة كانت مدمنة هيرويين. قال بيير: لا يا روحي دي كانت بتموت في الأسيد. دي حكت لي مرة قصة عجيبة لما شافت خوخة براس تمساح. ضحك شاخرا باقتضاب: شلاطة ما قتلهمش. جايز كانوا بيناموا مع حد من الكبار. تظاهرت فيفي بالصدمة: لا…ما تقولش!
ـ "عجبتك الطريقة اللي عملتلك بيها الهايلايتس المرة اللي فاتت"، خلّص بيير خصلة شعر من رقائق الألومنيوم، "ما نشفشي لسه…أصلهم ما كانوش ملايكة، ولا حتى خوخة".
قال الصبي الأعرج الذي يكنس الشعر: لا الحرامي ولا جوزها هم اللي عملوا العَملة دي. فيه حد تاني.
رد بيير وفيفي معا: احنا طلبنا رأيك؟
أشاح بكتفيه: خلاص، لوالأمر ما يهمكوش!
سألا في صوت واحد: إمال مين؟.
"لازم أرمي الشعر دا الأول"، قال رافعا الجاروف في وجهيهما.
كان شخصا غير ذي بال، لكنه استحوذ الآن على اهتمام بيير وفيفي: "صاحبتي اللي بتشتغل ممرضة في المستشفى قالت لي إن رمانة همست لها باسم القاتل قبل ما تموت".
قالت امرأة كان يُنتَف لها حاجباها: مش بالضبط. أنا عارفة بعض الدكاترة في المستشفى. قالوا إن المسكينة ما كانتش قادرة تفتح بقها من كتر الضعف.
أشعل بيير سيجارة: "لوعايزين رأيي. البنات دول كانوا بيلعبوا بالنار، مخدرات وجنس وخيانة".
قالت امرأة الحاجبين: جوز رمانة يقرب لناس من الكبار. فحتى لوهواللي عملها…همم.
قال الصبي الأعرج: فيه واحد صاحبي بلكونته بتطل على المحكمة.
قال بيير مخلصا شعر فيفي من إحدى لفائف الفويل: ياه…دا إنت على كده واصل عن أي حد فينا.
قالت فيفي: ما تتسمرش كده يا بني، قل لنا صاحبك شاف إيه.
تمهل الصبي لأن فيفي لم تعطه بقشيشا، "وكيل النيابة قال للقاضي إن السكينة اللي عليها بصمات شلاطة اختفت".
فيفي: عادي!
الصبي الأعرج: القاضي زأر زي الأسد. على فكرة، هوالقاضي ده مش صديق حضرتِك؟.
شهقت فيفي وكأن أحدهم قد قرص مؤخرتها في الطريق العام.
ضحك بيير: يا حبيبتي، كلهم عارفين.
في تلك الليلة حلمت فيفي بشلاطة يزورها بدلا من القاضي. وقد أشبع شلاطة أقصى رغباته. ولما لم تقو على احتواء سرها اتصلت بسوسو. ولدهشة فيفي كانت سوسو كذلك في قمة النشوة.
وسرعان ما اكتشفت فيفي وسوسو أن شلاطة قد قام بزيارة العديد من النسوة الثريات. لم يستطع أحد تفسير ذكورته الاستثنائية. وقد تسربت من السجن أنباء عن التهامه شطائر من مخاصي الثيران في وجبة الفطور. لم يكن أحد يدري كيف يطير ليلا من زنزانته ثم يعود إليها.
في الوقت ذاته، أصدرت نقابة الصحافيين بيان اعتذار رسميا للممثلة الشهيرة نعناعة عن تغطية الحدث. أبدوا أسفهم لعدم إظهار الحقائق بالكامل. فلقد بذلت صحف المعارضة النضالية قصارى جهدها للوقوف في صف المدعى عليهم ظلما.
على سبيل المثال، فقد قامت تلك الصحف بتغطية قصة شلاطة السابقة مع قاعات العدالة حين اتهم ظلما بحرق مسرح الدولة. وقد أطلق سراحه بعد ستة أشهر من سجنه لعدم كفاية الأدلة، إذ قام القاضي في النهاية، وبعد المئات من جلسات الاستماع والتأجيلات، بإعلان مشعل الحرائق الحقيقي: القدر. وأغلقت القضية.
عزيزي القارئ: فيما كان الصحافيون يسطرون اعتذاراتهم لنعناعة، تم نقل اللاعبين الأساسيين في هذه الدراما، عن طريق أحد الكبار، إلى كواليس مسرح الدولة المتفحم: شلاطة، خوخة، رمانة وزوجها، حتى نعناعة التي تلذذت بفكرة التقاط الصحافيين صورا لها وهي تأخذ "البوزات" مرتدية عوينات جوتشي الذهبية.
ولكن انظر ما يحدث: لقد خلع كل من المفتشين صقر وباز بدلتيهما المنفوختين على خشبة المسرح وبدآ في إظهار مؤخرتيهما للجمهور. هتف الجمهور راميا بمقابض أبواب عربات التاكسي القديمة صوبهما: "عايزين شلاطة! عايزين شلاطة! عايزين شلاطة"!
أعلن المفتش صقر: "نتمنى تكونوا استمتعتوا بالعرض. بس المسرحية خلصت"!
صرخ حارس الينابيع العذبة: "وليه ما تاكلش عيشك بما يرضي ربنا يا أخي زيّنا"؟
صقر وكأنه قد أُهين: "نعم يا خويا"!
همس الحارس بثقة العارف: "دا إنتوا بلطجية!". فلقد رأى صقرا يسلم الزبال إصبعا كبيرا مبتورا لقدم إحدى الضحايا في شنطة سوداء بلاستيكية بهدف الإتجار.
استشاط الجمهور غضبا. صرخ الصبي الأعرج، ذوالطبيعة الخجولة عادة، بكل ما أوتي من قوة: "عملتوا إيه في شلاطة"؟
انحنى المفتش باز- وهوالآن عار تماما إلا من رابطة عنق حمراء عريضة- قائلا: "لقد سردنا عليكم القصة الحقيقية لحي الينابيع العذبة. اذهبوا لبيوتكم الآن، وإلا سنطلق عليكم كلاب اللولو المرقطة"!
ورغم وداعة منظر كلاب اللولو فإنها كانت مدربة على قضم الإصبع الكبير لقدم أي معترض. رج المفتش صقر أحد أقفاصها. دب الرعب في نفوس الجماهير. لقد رأوا من قبل أقدام بعض المعترضين الذين اضطروا للتسول لاحقا. لم يكن بإمكان أي معترض السير بعدما تنتهي منه الكلاب اللولو. هل استحق فضولهم هكذا تضحية؟.
سأل الصبي الأعرج حارس بوابة الينابيع العذبة: "هي رمانة وخوخة كانوا م البنات البايظة؟"
رد الحارس: "طبعا".
الصبي الأعرج: "يبقوا يستاهلوا اللي حصل لهم".
الحارس: "لا يا بني، ما فيش حد يستاهل الموت … حتى البايظين". صمت برهة ثم استطرد: "دول كانوا في عمر بنتي".
الصبي الأعرج: "مسكين والله شلاطة، لا كان بيه ولا عليه، جم خدوه م الشارع"!
كان الصبي يعلم أنه لو تم التقاطه من الشارع فلن يقوى أحد من عائلته على الدفاع عنه، وسينفي بيير أنه قد عمل عنده في المحل في السنوات الخمس الأخيرة.
أخرج المفتش باز مفتاحا عملاقا ينتمي لقلاع العصور الوسطى ودسه في قفل قفص الكلاب اللولو.
قال الحارس: "ياللا بينا. إنت لسه صغير يا ابني. ياللا قبل ما صباع رجلك الكبير يتتاكل!"
تدافع الجمهور خارج مسرح الدولة المتفحم. ركلوا، في سورة غضبهم وإحباطهم، المقاعد التي تكسوها القطيفة المحترقة.
إلا أن قصة "الينابيع العذبة" لم تختف. فلسنوات عدة علق الناس مزقا من القماش الأخضر والأبيض على أغصان أشجار الورد البرتقالية في المدينة حينما رغبوا في تحقيق أمنية مستحيلة. وكانوا يتساءلون في أيام الأعياد" هوإيه اللي حصل لشلاطة؟".
لم يكن أحد يعلم أي شيء. ورغم أن الجميع استنكروا القتل، لم يتذكر أحد اسمي فتاتي الينابيع العذبة. "مش كان اسمهم موزة وعنبة؟"،"لا لا … مش كده. منجة وليمونة؟"، "مش مهم!".
وقد أثرى أحد باعة الأرصفة المتخصصين في الكتب الدينية ثراء فاحشا بسبب مقولات شلاطة الدينية: "تقدم الخراف أضحية للكبار". بل أقسم العديدون بقبور أمهاتهم أنهم رأوا شلاطة يحلق فوق الهضبة التي تشرف على الأحياء الفقيرة بالمدينة: عصفور في مطلع الفجر.
"المستقبل – نوافذ"




















