مقدمة إلى الملتقى العربي الرابع للتنمية الإنسانية
الذي تنظمه جمعية البحرين النسائية في 26 و 27 مايو 2010، المنامة – البحرين
معن بشور[*]
يعتبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحكم الرشيد يتسم بسمات عديدة، فهو يقوم على المشاركة، ويتسم بالشفافية، وينطوي على المساءلة كما انه يتسم بالكفاءة في تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد فضلا عن استناده إلى قواعد العدالة والإنصاف، كما يعزز سيادة القانون.
وعلى الرغم من أن أحداً لا يمكن أن يختلف مع هذه المبادئ العامة، ومع أهمية ترسيخها في الوعي الشعبي، واعتبارها مقياساً للحكم الرشيد، لكن التحدي الأكبر، كان، وسيبقى في توفير البيئة المناسبة لقيام الحكم الرشيد كما في تجديد الآليات الكفيلة بتمكين المجتمع من ممارسة حقه في تطبيق هذه المبادئ جميعها.
فالحكم الرشيد يحتاج إلى بيئة محلية، وإقليمية، ودولية مؤاتية خصوصاً مع تداخل المحلي والإقليمي والدولي في الكثير من الأمور المتصلة بمصيرنا سياسياً كان أم اقتصادياً وثقافياً وتربوياً وبيئياً.
فهل يمكن لنا مثلاً أن نقيم هذا الحكم الرشيد في وطننا الكبير الموزعة أقطاره بين من هو محتلة أرضه وبين من هو محتلة إرادته، ألم نر أمثلة واضحة، وخلال فترة ليست بعيدة، كيف يجري التعامل مع العملية الانتخابية وسيرها ونتائجها، خصوصاً إذا اعتبرنا أن صندوق الاقتراع هو احد آليات المشاركة في إدارة شؤون البلاد. فهناك حصار لشعب، كالشعب الفلسطيني، يُفرض عليه كنوع من العقاب على اختياره، وهناك تهديدات صريحة بالعنف إذا لم تأت النتائج لصالح هذه الجبهة أو تلك في العراق، ناهيك عما يرافق العديد من العمليات الانتخابية من تلاعب صريح أو ضمني بدءاً من الطريقة التي تتم بها صياغة قوانين الانتخاب، وصولاً إلى إبعاد مرشحين أو إقصائهم، إلى عقد ائتلافات خارج البرامج السياسية تحت اسم الوفاق أو التوافق، وإنفاق أموال طائلة تثير الشكوك في مصادرها وأهدافها ناهيك عن تأثيرها السلبي البالغ على حرية الخيار الشعبي.
وبالإضافة إلى هذه العيوب المتعددة الأشكال والأساليب التي باتت ترافق كل عملية انتخابية، وتزيد من الهوة بين المواطن وبين صندوق الاقتراع كآلية للتغيير وتحقيق المشاركة كأبرز مبادئ الحكم الرشيد، علينا أن نتوقف أيضاً أمام تحد آخر لا يقل أهمية عن العملية الانتخابية وهو الإدارة المتفجرة للعلاقات بين المكونات الموجودة في مجتمعاتنا، دينية كانت، أو أثنية أو عرقية أو مذهبية أو جهوية أو فئوية.
فبدلاً من أن تكون الديمقراطية وركيزتها المواطنة هي الإدارة المثلى للعلاقات بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع الواحد، نلاحظ أن هذه الديمقراطية كثيراً ما تصبح هي الأخرى، ومعها الحكم الرشيد طبعاً، ضحية لهذه العلاقات المتفجرة والاصطفافات المتخلفة، وتتحول الانتخابات إلى ما يشبه التعداد الطائفي أو العرقي أو المذهبي الذي لا مكان فيه للبرامج والرؤى بل تفسح في المجال لكل أنواع التدخلات الخارجية البعيد منها والقريب…
وحين تسود الاعتبارات الطائفية والعرقية والمذهبية التي تختبئ خلفها مصالح محلية وخارجية، لا تسقط القيمة الديمقراطية التي يقوم عليها مبدأ المشاركة فحسب، بل تسقط أيضاً الشفافية التي تتراجع، ومعها المساءلة أيضاً، أمام العصبيات التي تحمي الفاسدين وتصور أي محاسبة لهم كأنها اعتداء على الجماعة التي ينتمي إليها، كما يتراجع أمام هذه الاعتبارات مبدأ الكفاءة في اختيار الأشخاص المؤهلين لإدارة رشيدة لموارد المجتمع والدولة لأن المقياس يصبح الولاء لا الكفاءة، وخدمة الحاكم الفرد أو الجماعة المتنفذة لا خدمة الصالح العام.
وحين تغيب هذه المبادئ أيضاً، تغيب معها مبادئ العدالة والإنصاف وتسقط استقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، تماماً، كما تزول المسافة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.. التي تصبح امتداداً للسلطة التنفيذية سواء كانت تلك السلطة استبدادية شكلاً ومضموناً، أو كانت استبدادية مغلفة بالمظاهر الديمقراطية، كما نرى في الكثير من دولنا التي تحافظ على العديد من مظاهر الديمقراطية دون جوهرها، وتتردد فيها كثيراً مصطلحات كالمساءلة والشفافية والكفاءة.. العدالة والإنصاف، وحكم القانون فيما الواقع ينطوي على ممارسات مناقضة تماماً.
وتزداد الأمور سوءاً حين نلاحظ أن واقع منظمات المجتمع المدني، وهي الضلع الثاني في الحكم الرشيد حسب تعريف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، فهذه المنظمات في أغلبيتها الساحقة إما واجهات للسلطة تنفذ توجيهاتها وتعليماتها فتفقد روح المبادرة والقدرة على المشاركة والمراقبة والمحاسبة، أو أنها مرتبطة بأجندات مصادر التمويل الأجنبية التي تسعى لتحقيق مخططات خارجية باتت معروفة ولا حاجة للتفصيل في هذا المجال.
أما منظمات المجتمع المدني التي نجت من محاولات الاحتواء السلطوي، أو التسلل الأجنبي، فهي لم تنج بالمقابل من أسر حصار متعدد الأشكال، سواء في حرية حركتها بسبب القيود المعروفة، أو في شّح إمكانياتها بسبب نقص الوسائل الموارد ومطاردة داعميها في مصالحهم.
أما الضلع الثالث في الحكم الرشيد المتمثل حسب تعريف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة فهو القطاع الخاص الذي بات تداخله مع الدولة معلوماً في العديد من الأقطار حيث معادلة الحكم تقوم على سلطة تسعى لتكديس الثروة، وأصحاب ثروة يسعون للامساك بالسلطة، وهي معادلة تشجعها دائما أطراف إقليمية ودولية طرحت، لاسيّما في العقود الأخيرة، نظرية الليبرالية الجديدة المرتكزة على وصفات الصناديق الدولية ودعوات إعادة الهيكلة الاقتصادية عبر افتراس مؤسسات القطاع العام لصالح مشاريع الخصخصة، وزيادة العبء الضريبي وتدمير ركائز الرعاية الاجتماعية والصحية والتربوية، ولقد بدأ مؤخراً بعض منظري هذه الليبرالية يتراجع عن بعض أطروحاته، بعد أن انكشفت الآثار المدمرة لهذه النظرية على التنمية المستدامة وعلى حزام الأمن الاجتماعي الذي يصون الحد الأدنى من مصالح الطبقات الوسطى والشعبية.
ولعل ضمور الطبقة الوسطى التي هي قاعدة أي تطور ديمقراطي هو الدليل الأسطع على خطورة ما يمكن تسميته تغول السلطة والاحتكارات على المجتمعات والدول.
– 2 –
بعد هذا العرض السريع لعوائق تقف في وجه قيام الحكم الرشيد لا بد من نظرة تحليلية إلى الجذور التي تمتد إليها هذه العوائق وغيرها، وهي جذور إستراتيجية وسياسية واقتصادية وثقافية وفكرية في آن.
فعلى الصعيد الإستراتيجي يطرح سؤال نفسه بقوة: هل تمتلك كيانات التجزئة، لاسيّما الصغيرة والمحدودة، مقومات بناء حكم رشيد في داخلها، هل يمكن لها أن تصمد بوجه تدخلات خارجية تمارسها قوى أكبر منها، لاسيّما إذا كانت هذه القوى تحركها مصالح ومطامع في هذه الكيانات، وبالتالي تمتلك مخططات لإبقاء هذه الكيانات ضعيفة مرتبكة مرتهنة لتلك القوى الخارجية التي تتحكم بمصيرها ومسارها وتقيم فيها أنظمة تعتمد في بقائها على الدعم الخارجي مقابل إطلاق يد هذه الأنظمة في داخل مجتمعاتها ودولها على حساب كل المبادئ التي يقوم عليها الحكم الرشيد.
فلا حكم رشيد إذن في ظل التدخلات الخارجية، فكيف هذا حين تصل هذه التدخلات إلى حد انتهاك السيادة واحتلال الأرض وإقامة قواعد عسكرية أو أمنية.
قد يقول البعض، وقد قاله فعلاً، وتصرفت على أساس هذا القول نخب وقوى وأحزاب سياسية راهنت يوماً على أن دعوات "الإصلاح" التي ارتفعت من عواصم دول كبرى يمكن أن تمنح لها ما كانت تطمح إليه منذ عقود وربما أكثر…
فإذا بتلك الوعود تتبخر مع السنين، وإذ "بحليمة" الغربية تعود إلى عادتها القديمة، بعد أن حققت دعاوى الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان أغراضها في المزيد من الإمساك بثروات المنطقة، والمزيد من التنازلات أمام الحليف التاريخي والإستراتيجي للغرب، أي الكيان الصهيوني، فوجدنا التطبيع يتسلل بأشكال مختلفة إلى بعض بلداننا، ووجدنا التنصل من مقاومة الاحتلال أو التنكر لها سياسات معلنة، كما وجدنا انغماس البعض الصريح في الصمت على الحصار والعدوان، بل المشاركة فيه، والأمثلة هنا عديدة بدءا من احتلال العراق، إلى العدوان على لبنان، فالحرب والحصار على غزّة، وكلها أحداث وقعت في أقل من عقد واحد حتى لا نتوسع في أحداث أخرى لا تقل خطورة بدءا من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، ومن عمق آسيا إلى عمق أفريقيا حيث التهديد للأمن المائي لمصر والسودان بات جليّاً.
فأين الحكم الرشيد في ظل كل هذه التطورات؟.
أما على الصعيد السياسي الداخلي فلم يعد خافياً على احد إن المقص الاستعماري الذي قسّم الوطن العربي إلى كيانات، كان حريصاً أن يحمّل كل كيان من هذه الكيانات مشكلة بنيوية عميقة أو مشكلات يمكن إثارتها في كل حين، ويمكن استغلالها في كل ظرف.
فالكيانات الصغيرة هي بالتعريف عاجزة عن، كما إنها ممنوعة، من إقامة أي شكل جدي بين أشكال التعاون والتكامل الحقيقي بينها، وهي إذ حاولت، كما تفعل دول مجلس التعاون الخليجي المتماثلة في أنظمتها السياسية والاقتصادية، فإن عوائق عدة تبرز للحيلولة دون خطوات جادة لتحقيق استراتيجياتها الأصلية، بل أحيانا تتم تغذية صراعات هامشية وحتى خلافات حدودية فيثار حولها غبار من العصبيات المتخلفة على أنواعها.
أما الكيانات الوسطى، فهي محكومة بقانون الصراع المستمر بينها، مهما تعاقب عليها من حكام، بل إن بعضها كالعراق وسوريا حكمهما حزب واحد.. وعقيدة واحدة، ولكن الخصام بينهما بقي على أشّده ليصل إلى حد التوتر الأمني والعسكري بأعلى أشكاله، تماماً كما رأينا بين المغرب والجزائر، ومصر والسودان، بالإضافة إلى العلاقة بين سوريا ولبنان الخاضعة دوماً لاهتزازات تعرفون جميعا أدق التفاصيل عنها.
لا بل أن لهذه الكيانات أيضا مشكلات في داخلها، حيث تثار عصبيات عرقية أو طائفية أو مذهبية على نحو يحّولها إلى ساحة دائمة لحروب أهلية، علنية أم كامنة، يستحيل معها تحقيق مبادئ الحكم الرشيد خصوصاً إذا كانت هذه العصبيات تُغذّى برعاية احتلال أجنبي أو تدخل خارجي.
حتى القطر الكبير في الأمة والذي تنعقد عليه الآمال لقيادة الأمة، يجد نفسه مكبلاً بأنواع من القيود، ومليئاً بقدر من المشكلات والصراعات الداخلية، ومهدداً بأمنه القومي الاستراتيجي سواء العسكري منه أو المائي أو الغذائي أو الاقتصادي فيصبح ضعيفاً في وجه ضغوط الخارج وقوياً في مواجهة متطلبات الداخل…
فهل يمكن أن يقوم حكم رشيد في ظل هذه الأوضاع، أم إنها جميعها تدفع الأمور لكي يكون الاعتبار الأمني، القومي والوطني، وخاصة امن النظام الحاكم، هو الاعتبار الطاغي على كل اعتبار آخر، وحين يطغى الاعتبار هنا يبرز أمامنا نموذجان، احدهما رأيناه في العراق حين ظن البعض إن الاحتلال يمكن أن يكون تحريراً وان الغزو الأجنبي يمكن أن يقيم ديمقراطية، فماذا كانت النتيجة هنا؟!… والجواب متروك لكم.
أما النموذج الآخر فهو مشروع نشر الديمقراطية والإصلاح وحقوق الإنسان في المنطقة الذي أطلقه يوماً من واشنطن جماعة المحافظين الجدد التي اعتبرت نفسها رسولة الديمقراطية في العالم، فإذ بهذه الرسالة تتحول إلى وسيلة تمارس من خلالها الضغط والابتزاز على أنظمة، كانت تعتبر نفسها صديقة تاريخية للولايات المتحدة الأمريكية، فإذ بها تجد نفسها مطالبة بتقديم المزيد من التنازلات المالية، عبر أشكال متعددة، تنتقل معها ثرواتها من يد شعوبها وأصحابها الشرعيين إلى خزائن الدول الكبرى الجائعة دوماً إلى المزيد من الموارد لإطفاء أزمات اقتصادية ونقدية ومالية متواصلة تكشف خللاً بنيوياً عميقاً في تلك الأنظمة.
وفي المجال السياسي فان الضغط والابتزاز باسم الإصلاح والديمقراطية هو للمزيد من التنازلات في القضايا المصيرية التي تهم الأمة، لاسيّما في مجال الصراع مع الكيان الصهيوني الذي لم يخف المحافظون الجدد وحلفاؤهم يوماً أولوية أمنه بالنسبة إليهم متناسين إن هذا الكيان في جوهره، ناهيك عن سياساته وممارساته، مناف للديمقراطية لأنه عنصري، ومناف لحقوق الإنسان لأنه إرهابي، ومناف للإصلاح لأن الاستبداد والتخلّف في الوطن العربي هما حارساه التاريخيان.
وليس خافياً على احد حجم الخيبة التي أصابت مثقفين وسياسيين وضعوا كل آمالهم "بالإصلاح" الموعود من الخارج تتراجع حتى لا نقول تتلاشى، كل مبادئ الحكم الرشيد من مشاركة أو شفافية أو مساءلة أو إنصاف أو عدالة أو حكم القانون اللهم إلا إذا كان القانون هو "قانون الطوارئ".
أما على الصعيد الاقتصادي، حيث التنمية المستدامة هدف رئيسي من أهداف الحكم الرشيد، فلا بد أن نلاحظ إن تراجع الاقتصاد الإنتاجي بشكل ملحوظ لصالح الاقتصاد الريعي هو السّمة الغالبة لاقتصاداتنا العربية، وكلنا نعرف العلاقة الوثيقة بين تفشي الاقتصاد الريعي من جهة وبين ازدهار أنظمة الاستئثار والتفرد وصولاً إلى الاستبداد، ناهيك عن الاستقواء الكبير بالخارج بهدف الاحتفاظ بالثروات التي تتيحها اقتصادات الريع.
ولا اعتقد إننا نقول أمرا غير معروفاً حين نشير إلى أن التطور الديمقراطي الذي شهدته بعض بلدان العالم النامية، لاسيّما في الغرب، (رغم ملاحظات عديدة قد تثار في هذا المجال)، كان ناشئاً عن نمو الاقتصاد الإنتاجي في تلك البلدان والذي اخذ شكل ثورات زراعية وصناعية وتكنولوجية أنتجت معها طبقات اجتماعية باتت لها مصالح عبّرت عن نفسها بقوى سياسية حملت برامج متكاملة وقادت في ضوئها ثورات سياسية، أخذ بعضها شكلاً عنيفاً أو شكلاً دستورياً أو الشكلين معاً، فقامت في تلك الدول مؤسسات ومشاركة وشفافية ومساءلة (على الرغم من تحفظات عديدة لدينا على سلامة الأداء في تلك الدول).
وإذا كان الخلل قد بدأ ينتاب هذه الدول المتقدمة الكبرى، كما نرى في الأزمة الاقتصادية والبنيوية الراهنة والمتنقلة عبر جانبي الأطلسي، فأنه يعود إلى تسرّب الاختراقات الريعية إلى هذه الدول سواء من خلال نهبها للمستعمرات والدول الضعيفة فتحقق عبر هذا النهب أرباحاً ريعية لم تبذل جهداً إنتاجياً لتحقيقها، أو عبر تحول اقتصاداتها من الاقتصاد الفعلي إلى الاقتصاد الرقمي أو الوهمي عبر ما يمكن تسميته "بالثورة المالية" حيث تحّل تلك الدول مشكلاتها الداهمة عبر مضاربات ومراهنات وألاعيب مصرفية أو مالية مآلها الانكشاف والانهيار.
فبدا أن هذه الدول التي تقدم نفسها كنموذج للحكم الرشيد تشكو من عيوب كنا نعتقدها من سمات مجتمعاتنا وحدها، فالفساد ينخر في مؤسساتها الإعلامية والمالية والتشريعية والقضائية والتنفيذية على نحو غير مسبوق، والأزمات تدق مجتمعاتها من كل الأبواب، والقيم التي طالما تشدقت بها تهتز كل صباح، حتى بات التغيير الشعار الأكثر جاذبية رغم أن تحقيقه بات أكثر صعوبة (وتجربة الرئيس أوباما ذاته الدليل على ذلك حتى الآن).
فلا حكم رشيداً إذن في ظل الاقتصاد الريعي وغياب الاقتصاد الإنتاجي، سواء كان الريع هنا ناجماً عن موارد طبيعية أو عن خدمات تقدم لأصحاب هذه الموارد، فينعكس الريع كسلاً في العمل وخمولاً في الفكر ونفاقاً وتستراً في العلاقات على الفضائح وترويجاً للاستبداد واستقواء بالأجنبي.
وعلى الصعيد الثقافي والفكري فالخلل لا يقل عنه في المستويات الأخرى، بل أحياناً قد يأخذ أشكالاً أشد خطورة من تلك المستويات.
هنا لا بد أن نسجل لبرنامج الأمم المتحدة بشكل إيجابي استخدامه لمصطلح الحكم الرشيد كترجمة Good Governance، لأنه في هذا الاستخدام عبّر عن مقاربة ذكية لمصطلح تراثي له إيحاءات مطمئنة في الوعي العربي والإسلامي، وهو مصطلح "الحكم الراشدي" أو حكم الخلفاء الراشدين الذي يُجمع كل العرب والمسلمون أنه كان من أكثر مراحل تاريخهم تألقاً وإشراقاً، عدالة ومشاركة، إنجازاً ونجاحاً.
فلقد لفت التقارب بين المصطلحين إلى أهمية الانتباه لمرجعية النظام المعرفي النابع من تراث الأمة وحضاراتها وعقيدتها، ودراسته بشكل معمّق والتعرف على كنوزه الثمينة في كل مجالات الفكر والعلم، وهي كنوز لا ينكر الغربيون أنفسهم أنها ساهمت في إضاءة معارفهم وساهمت في إخراجهم من عصور الظلمات.
فالانكباب على هذا النظام المعرفي العربي والإسلامي ودراسته بعمق وانفتاح وعقل جدلي واعتماده كمرجعية فكرية وثقافية هامة من مراجعنا يحررنا من آفتين خطيرتين تفتكان بالبنية الفكرية المتحكمة بالنخب العربية والإسلامية.
فهذا الانكباب يحررنا من أسر الانبهار بالنظام المعرفي الغربي، بكل تشكيلاته ومدارسه، فنسعى إلى إسقاطه على واقعنا دون الانتباه للفروق الجوهرية والموضوعية بين واقعنا وعلى غير صعيد، وبين واقع الأمم الأوروبية، فمثل هذا الانبهار لم يسهم في إخراج العديد من نخبنا من المجرى الرئيسي (mainstream) لمجتمعاتها وشعوبها، والابتعاد عن لغتها والعوامل المتحكمة بحراكها وتطورها فحسب، بل يجعلها تقدم نماذج للتطور والتنمية مقتلعة من جذورها، وتسعى إلى فرضها على شعوبها، فتحصل القطيعة التي تؤدي إما إلى غربة كاملة لهذه النخب عن مجتمعاتها وإلى عزلة قاتلة، أو أنها ومع تمكن هذه النخب من الإمساك بالسلطة فتتحول الأنظمة إلى أنظمة استبدادية ديكتاتورية دموية لا تبتعد عن الحكم الرشيد فقط بل تسهم عن وعي أو غير وعي في تدمير مجتمعاتها وبلادها.
أما الآفة الأخرى التي يجنبنا إياها انكبابنا بعمق ودراية على نظامنا المعرفي العربي والإسلامي، فهي تلك النظرة السطحية الجامدة إلى التراث، حيث يطفو الشكل على الجوهر، والعابر على الأصيل، فلا تعجز هذه النظرة المتحجرة عن فهم قوانين حركة مجتمعاتها وجدلية تفاعلها مع حركة العصر ذاته، وبالتالي عن وضع الحلول والبرامج القادرة على النهوض بأمتها فحسب، بل أنها كثيراً ما تستخدم هذه النظرة كمبرر للدعوة إلى القطيعة مع تراثنا العقائدي والحضاري والروحي العميق، ومع نظامنا المعرفي العربي الإسلامي بالذات، باعتبار أن هذه النظرة هي الممثل الوحيد لأغنى الحضارات الإنسانية والأنظمة المعرفية البشرية.
إن الارتجاج الفكري والنظري الذي تصاب به العديد من نخبنا الفكرية والثقافية، وهذا التأرجح بين عصرية مقطوعة الجذور بالتراث، وتراثية منغلقة على العصر، يشكل قاعدة هامة من قواعد الخلل في بنيان الأنظمة الحاكمة لحياتنا من أزماتها المستفحلة حيث نراها رغم، هذه الضحالة الفكرية والثقافية (التي لا يقلل من ضحالتها كمية الكتب التي يقرأها المثقف دون أعمال الفكر المستند إلى مرجعية معرفية عربية وإسلامية) تجد لها دائماً من يبرر نظرياً تسلطها واستبدادها باسم هذه الفكرة أو تلك.
ولقد لاحظ الصديق د. زياد الحافظ أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في بيروت " أن معظم الأدبيات الاقتصادية العربية المعاصرة مُستمدّة من الفكر الاقتصادي الغربي مما يؤكد مدى الغزو الثقافي الغربي للعقل العربي المعاصر. والفكر الغربي حاول محو الفكر الاقتصادي العربي وخاصة الإسلامي للعصر الذهبي وحتى في القرون الوسطى. يقول جوزيف شومبيتر الاقتصادي النمساوي الشهير بالحرف الواحد: "أما في ما يتعلّق بموضوعنا (يقصد تاريخ الفكر الاقتصادي البشري)، يمكننا بكل آمان القفز فوق خمس مائة عام حتى زمن القديس يوسف الأكويني (1225-1274)، حيث مؤلفه الجامع الديني (Summa Theologica) يمثل خلاصة الفكر البشري"[†]. أي هناك فراغ كبير في الفكر الاقتصادي البشري امتد منذ نهاية الحقبة اليونانية حتى فكر أكويناس، متجاهلا عن قصد أو غير قصد المساهمات العديدة في الاقتصاد وخاصة المالية العامة لكل من ابن المقفع (720-756)، وأبو يوسف الدمشقي، والطرطوشي (1059-1126)، والماوردي، والغزالي (1058-1118)، وطبعا ابن خلدون (1332-1406). أما في مجال الدورات الاقتصادية ((business cycles فهناك مساهمات البيروني 973-1048) ومسكويه (932-1030)، والطرطوشي مجددا والعلامة ابن خلدون. أما فيما يتعلق بنظرية النقد والأسعار نعود أيضا إلى الغزالي وابن القيّم (1292-1406) والمقريزي (1363- 1442)."
فلا حكم رشيداً إذن دون رؤية منهجية متكاملة تستند إلى مرجعية فكرية ونظرية ضاربة الجذور في نظامنا المعرفي العربي والإسلامي.
نستخلص مما سبق أنه رغم أهمية نشر ثقافة الحكم الرشيد بكل مبادئه، وتطوير إدراك جماعي لمضامينها وتجلياتها وآلياتها واستنباط وسائل تربوية لتعميمها، إلاّ أن قيام حكم رشيد في بلادنا متعذر إذا لم نر أمتنا مستقلة متحررة من كل الاحتلالات والتدخلات الأجنبية، ومجتمعاتنا موحدة ومتجاوزة لكل عصبيات التفتيت الكامنة أو المعلنة، واقتصاداتنا اقتصادات إنتاجية فعلية تستخدم الريع في تنمية المجتمع لا في إثراء الجماعات النافذة والمتنفذة، وفكرنا وثقافتنا ترتكز إلى مرجعية النظام المعرفي العربي الإسلامي المنفتح دون انبهار على مرجعيات الفكر العالمي، والمتمسك دون انغلاق بتراث الأمة وحضارتها.




















