خسرت سيدة لبنانية دعوى أمام محكمة الاستئناف المدنية في جبل لبنان طالبت فيها منح ابنتيها من أب غير لبناني الجنسية اللبنانية، وكانت قد ربحت الدعوى في المحكمة الابتدائية واستأنف النائب العام القرار لمحكمة الاستئناف التي رفضت حكم المحكمة الأولى. وقد بررت المحكمة قرارها بأن رابطة الدم لجهة الأم ليست سبباً لمنح الجنسية.
وهكذا فإن الاعتراف لا يتم إلا برابطة الدم من جهة الأب،أما دم الأم فهو (ماء) لا يعتد به ولا يقبله القانون، والطريف أن المرأة الأجنبية التي تتزوج لبنانياً يحق لها حسب القانون اللبناني ليس فقط الحصول على الجنسية اللبنانية، بل منحها لأبنائها رغم أنهم من أب غير لبناني.
وهكذا فإن القانون لا يتيح لأبناء غير اللبنانيات الحصول على جنسية والدتهم وعليه فهم يحتاجون لتصاريح إقامة شأن الأجانب، ولا يستفيدون من خدمات التعليم التي تقدمها الدولة لمواطنيها، أو الخدمات الصحية أو خدمات الضمان الاجتماعي. وعليهم أن يبقوا أغراباً في وطن أمهم وأجانب على أرض خؤولتهم حتى لو ولدوا على الأرض اللبنانية.
تصادف في الفترة نفسها أن عقدت رابطة النساء السوريات ندوة موسعة في النادي الاجتماعي في دمشق لمناقشة الموضوع نفسه، لأنه لا يحق للسورية أيضاً أن تمنح جنسيتها لأبنائها من الزوج غير السوري، وتم في تلك الندوة تداول الصعوبات وأحياناً المآسي الشخصية التي يواجهها أبناء المتزوجات من غير سوري.
حيث لا تشملهم خدمات الدولة، ولا يحق لهم العمل إلا من خلال الفرص الممنوحة للأجانب، كما لا يحق لهم وراثة رواتب أمهاتهم التقاعدية، مع أن بعضهم ولدوا وعاشوا في سوريا، ولا يعرفون أرضاً غير أرضها ولا سماء غير سمائها ولا حتى لهجة غير لهجتها، فضلاً عن اكتسابهم السلوك السوري والتقاليد السورية، وممارستهم نمط الحياة السورية وهكذا فهم غرباء حسب القانون يعترف بنصف دمائهم فقط وهي تلك الدماء الذكورية.
هناك ستة بلدان عربية فقط تعترف برابطة الدم (الأمومي) وبالتالي تسمح قوانينها للأمهات منح جنسياتهن لأبنائهن من أزواج أجانب أما بقية البلدان فما زالت تصر على أن رابطة الدم لجهة الأم لا معنى لها ولا قيمة ولا يحق للأبناء الانتساب الرسمي لبلد خؤولتهم ولا الحصول على المواطنة والجنسية والتمتع بالامتيازات الممنوحة للمواطنين ولا الحصول على حقوقهم لدى أمهاتهم، وقد أعطت بعض البلدان مشكورة حقوقاً لهؤلاء كحقوق التعليم والصحة والعمل دون أن تعطيهم الجنسية، وأنوه إلى أن هذه الظاهرة لا علاقة لها بالدين ولا تحتاج لحكم شرعي.
وعلى الذين يرفضون منح الجنسية لأبناء المواطنة أن يبحثوا عن مبررات خارج الدين وعلينا أن نتذكر أن من تقاليد العرب منح (المواطنة)، إن صحت التسمية، إلى الموالي، ويصبح للمولى حقوقاً مثلهم فكيف بأبناء بناتهم؟
من البديهي أن هذا الرفض موجه للنساء عامة، وهو إصرار من الحكومات العربية والمجتمعات العربية على سيادة الذكورية وتقاليدها ومقتضياتها، مما جعل بعض المواقف عن المرأة في بلاد العرب تشبه الطرائف وتكاد لا تصدق، فمن يصدق مثلاً أن الأنثى القاضي في بعض البلدان العربية هي حسب القانون ولي من لا ولي له، إلا أن هذه الأنثى التي لها حق الولاية على الغير ليس لها حق الولاية على نفسها، وبالتالي تحتاج لولي في معظم شؤونها الأساسية.
ومن يصدق أن زوج الوزيرة في بعض البلدان العربية يمكنه ـ حسب القانون ـ أن يمنعها من السفر حتى لو كان بهدف توقيع أهم الاتفاقيات بين بلدها وبلدان أخرى، وفي بعض البلدان تحتاج الوزيرة (قانونياً) إلى موافقة الزوج مسبقاً على سفرها، وهي الوزيرة التي تتخذ قرارات ذات تأثير على حياة المجتمع وشؤون الوطن، وهذه الموافقات ليست بسبب التقيد (بالأمر الشرعي).
وهو على أي حال أمر حمال أوجه وغير محسوم دينياً، بل تقع تحت تقليد الهيمنة الذكورية التي تصر على الاستمرار في معاملة المرأة العربية على أنها (بنصف عقل ونصف دين) فضلاً عن أنصاف أخرى.
لقد عينت نساء وزيرات في معظم الحكومات العربية، ولم نسمع أن فشلهن في أداء مهماتهن كان أكثر من فشل الذكور، فالفشل والنجاح في هذه المهمات يعود للأفراد أنفسهم وليس لجنسهم (إذا كانوا ذكوراً أم إناثاً).
وقد سبقتنا في هذا المجال بلدان عديدة أوروبية وإسلامية وآسيوية، تولى السلطة فيها نساء، بعضهن رئيسات حكومات، وحكمن بقبضات حديدية وأشير إلى تاتشر في بريطانيا وميركل في ألمانيا وغيرهن كثيرات في أوروبا، وإلى أنديرا غاندي في الهند وبنظيربوتو في باكستان والشيخة حسنية في بنغلاديش وبندرا نايكا في سيريلانكا وغيرهن كثيرات.
وقد تناوب بعضهن بل معظمهن على الحكم أكثر من مرة بانتخابات شعبية حرة وشفافة، مما يؤكد نجاحهن في مهماتهن، وإلا لما انتخبن مرة ثانية أو ثالثة، ولم يستطع أحد أن يثبت أن إمكانيات المرأة العقلية أو تجاربها أو مهاراتها أقل من إمكانيات الرجل.
أمر الدين الإسلامي الحنيف بالمساواة بين الجنسين قبل أربعة عشر قرناً، ولسوء حظ النساء فإن معظم المسلمين لم يطبقوا حتى الآن ما جاء به القرآن، وأخذوا أقوال بعض الفقهاء وكأنها أحكام دينية مطلقة ومقدسة مع أنها في الواقع ليست سوى اجتهاد من بشر رجال يصرون على سيادة ذكوريتهم.
ولا يزال بعض المسلمين يتعاملون مع النساء وكأنهن ناقصات عقل ودين فعلاً، وقد استفاد التسلط الذكوري من أحكام فقهية عديدة، وطبق على النساء قوانين وأعرافاً وتقاليد ليس لها في الواقع أية مرجعية دينية، وكأنه يريد أن يبقي النساء في بيت الحريم إلى يوم الدين.
كاتب سوري
odat-h@scs-net.org
"البيان"




















