مع موازاة مرور عشر سنوات على الانسحاب الأحادي الجانب من لبنان، أجرت إسرائيل مناورة كبيرة للحماية من خطر الصواريخ. وفيما يتباهى إيهود باراك بنجاحه، تجرى اسرائيل مناورة باهظة وطويلة بهدف التعرف على كيفية تقليص الأضرار الناتجة عن سقوط الصواريخ، وتحديدا تلك التي يمكن ان يطلقها حزب الله باتجاه الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
كان يجب على إسرائيل أن تنهي وجودها في جنوب لبنان، لكن في اطار عملية رادعة وليس في إطار عملية هروب مخجلة، أدت لاحقا الى استمرار الهجمات. ومنذ ذلك التاريخ ينظر الينا حزب الله (وليس فقط حزب الله) كـ"بيت العنكبوت". ولم يكتف نصرالله بصواريخ الكاتيوشا، وبدأ يتزود بصواريخ خلال حرب لبنان الثانية أصاب من خلالها العمق الإسرائيلي وقتل جنودا ومدنيين وأحدث اضرارا اقتصادية فادحة، من دون أن ترد إسرائيل؛ وكان حزب الله هاجم وقتل وخطف جنودا، ولم تؤد تهديدات باراك الفارغة إلا إلى زيادة تحرشاته. بدورها قامت إيران وسوريا، اللتين أعجبتا بجرأة حزب الله ومن عدم تجرأنا على الرد، بصب الزيت على نار الصواريخ والوسائل الأخرى.
أول أمس ألقى نصرالله خطابا بمناسبة ما سماه عشر سنوات على الهروب المذعور لإسرائيل. والكثير من الإسرائيليين الذين لم يوافقوه ولا يوافقوا أن يكونوا مخدوعين، إضطروا لان يوافقوا على توصيف أحد أكبر أعداء إسرائيل: إن مناورة الجبهة الداخلية هي نتاج الخوف من الصواريخ الموجودة في حوزته، وإذا هاجمته إسرائيل فإن السفن في الموانئ والتي ستكون في الطريق الى إسرائيل، وليس فقط الجبهة الداخلية والمنشآت العسكرية، سوف يتم مهاجمتها، وهذا يردع إسرائيل وليس العكس.
يتفق الإسرائيليون معه أيضا أن الهروب المذكور وأيضا النتائج البائسة لحرب لبنان الثانية، حققا نتائج مهمة واستراتيجية لصالح حزب الله. وعززت الروح القتالية في أوساط مقاتلي المنظمة وأيضا في أوساط أعداء إسرائيل الآخرين.
لم يكف باراك عن الادعاء بان الانسحاب في العام 2000 حقق انجازات مهمة لإسرائيل، ومن بين هذه الانجازات، حسب باراك، تسلح حزب الله بـ50 الف صاروخ من دون أن تحرك إسرائيل ساكنا، بعضها ذات مدى استراتيجي، قادر على أن يضرب، بحسب نصرالله، تل أبيب وديمونا والمطارات العسكرية ومطار بن غوريون، ومن المؤكد أنه سيضيف عليها صواريخ السكود التي زودت سوريا بها حزب الله، وكذلك أيضا الصواريخ المضادة للطائرات التي حصل عليها من إيران.
لقد اختبرت مناورة الجبهة الداخلية الجهوزية مقابل الجبهات الأخرى أيضا مثل سوريا وحماس. لكن حماس أيضا، مثل حزب الله، تعلمت أن تهديدات إسرائيل ليس لها غطاء. فقد حذر ارييل شارون بشكل قاطع: إذا أُطلق صاروخ واحد بعد فك الارتباط باتجاه النقب، سيكون رد إسرائيل قاسيا. بعدها أُطلق أكثر من ألف صاروخ وكانت تهديدات شارون مثل تهديدات باراك، من دون رصيد. وعندما وصلت الأمور الى الذروة لم يكن بالإمكان منع تنفيذ عملية عسكرية واسعة، فإنطلقت إسرائيل الى عملية الرصاص المصهور، لكنها أوقفتها في منتصف الطريق. لم تتضرر القدرة والحافزية على مواصلة النضال ضد إسرائيل، بل على العكس من ذلك، كما بقي جلعاد شاليط في الأسر.
حماس، تماما مثل حزب الله، تحتفل: فالقطاع مليء بصواريخ يصل مداها إلى تل أبيب ومطار بن غوريون، وإسرائيل بدلا من أن تمنع وصولها أو تدميرها، تقوم بمناورة ضخمة للجبهة الداخلية (هي الاكبر في تاريخ الدولة)، من أجل الاستعداد لمواجهتها. هذا هروب فقدان للوعي.
("هآرتس" 27/5/2010)
"المستقبل"




















