القناص المجهول، الذي أصاب قبل سنة ونصف السنة بدقة متناهية رأس، رقبة وبطن الجنرال محمد سليمان، يد يمين ورجل الاسرار الاكثر كتمانا للرئيس السوري، ترك وراءه لغزا غريبا. لمن كانت مصلحة عاجلة لتصفية الحساب مع المربي العسكري لبشار الاسد؟ ما الذي أثار العجلة في جهاز استخبارات معين جدا لان يضع قناصا مهنيا أمام المنتجع الصيفي الفاخر للجنرال سليمان في مدينة الميناء السورية طرطوس؟ كيف نجحوا في اخفاء التصفية على مدى يوم كامل؟
سليمان، 49 سنة عند وفاته، اعتبر مسؤولا عن عمليات نقل الصواريخ ووسائل الاطلاق من سورية الى حزب الله في لبنان. قبل ستة أشهر من ذلك صفت ذات الايدي زميله، عماد مغنية. كلاهما اختصا بارساليات الصواريخ والمعدات العسكرية الى نصرالله. مغنية كان مبعوث آيات الله، وسليمان مقرب الاسد. بفضل مكانته العليا تلقى تفويضا بالعمل من فوق رؤوس قادة الجيش، والتبليغ المباشر للقصر في دمشق.
تصفيته بأياد مجهولة وقعت في النوافذ الاعلى في سورية كالبرق في يوم صاف. الاسد واثق بأنه يعرف من وصل الى رجل ثقته، من بعث له بانذار قاطع من خلال التصفية. عندما أمسك بعلي الجراح اللبناني في بيروت واعترف بأنه جنده وكلاء الموساد لجمع المعلومات عن سليمان لم يعد ممكنا اخفاء القصور الامني. من نجح في أن يكشف، يتابع ويصل الى رجل سر الاسد، يستطيع عند الحاجة ايضا أن يقض سكينة الرئيس.
في نهاية الاسبوع كشفت صحيفة ‘التايمز اللندنية’ عن التراث السري لسليمان. صور للاقمار الصناعية تشير الى قاعدة سرية في بلدة عدرا، في الشمال الشرقي من دمشق، تخزن فيها صواريخ بعيدة المدى (من انتاج سوري) قبل ان ترسل الى لبنان. وحركة الارساليات هي التي تشجع نصرالله على التهديد: ‘يمكننا ان نغطي كل الاراضي الاسرائيلية، من نهاريا حتى ديمونا، عبر تل ابيب’.
سليمان هو الذي فتح بوابات القاعدة العسكرية في سورية لحزب الله، وهو (ونائبه، الذي عين في مكانه بعد تصفيته) الذي أدار محاور الارساليات فقط في الطقس العاصف لتشويش صور الطائرات الصغيرة بدون طيار. ومع أن الاسد حاول أمس التنكر للمسؤولية الشخصية عن قاعدة صواريخ حزب الله في سورية، الا ان النفي جاء بصورة غير مقنعة. ‘اذا كان لديكم معلومات وصور، أروني اياها’. لا مشكلة. فقد نشرت ‘التايمز’ صورة تتحدث من تلقاء ذاتها، عن العمل السري الذي يتم من القاعدة في سورية نحو المخازن في البقاع في لبنان.
التردد في استئناف المسيرة السياسية في الشمال آخذ في التبدد. فالاسد يرسم الآن سيناريو غير عاطفي كنقطة نهاية للمفاوضات مع اسرائيل: سورية تحصل على كل هضبة الجولان (لن نتخلى حتى ولا عن سنتيمتر)، سورية لن تتخلى عن الحلف الامني الوثيق مع ايران، وسورية ستقترح على اسرائيل في مقابل الانسحاب الكامل مجرد اعلان عن نهاية النزاع.
ماذا يعني هذا؟ انصتوا جيدا للاسد الذي يوضح: السلام الكامل مع اسرائيل لا يتم الا بعد ان ينتهي النزاع مع الفلسطينيين، مع العالم العربي، وبعد انسحاب اسرائيلي الى حدود 67. وهذا يعني، باللغة السورية، انتظروني في الزاوية. اذا أصريتم على ان تعيدوا لي كل الجولان، سأتعهد بأن أعلن عن نهاية النزاع. الحروب ضدكم على أي حال نحن نديرها عبر حزب الله من لبنان.
في الأسابيع القريبة من المتوقع لنا هجمة تصريحات في صالح التسوية، نهاية النزاع والعودة الى طاولة المفاوضات غير المباشرة. هذا جيد للعلاقات العامة من جانب دمشق. مهم جدا أن نقرأها جيدا: الاسد لا يقترح سلاما حقيقيا، حتى لو حصل على الجولان. فهو الآن يحتاج الى كسب الوقت، في محاولة لرفع مستوى مكانته في واشنطن وفي السعودية، وليحصل على لقاء لدى مبارك.
بعد الكشف الجديد يتجول الرئيس السوري والزبدة تعلو رأسه. من جهة مستعد لأن يعترف ‘أنا اؤيد حزب الله ولكني لا أحبهم’. من جهة سيواصل تأييد، تزويد، منح موطىء قدم خطر لحراس الثورة ولحزب الله، والقسم: ‘لا أصدق أيا من رؤساء الوزراء في اسرائيل’.
يديعوت 30/5/2010
"القدس العربي"




















