لا دور كبيراً بدون اكلاف. بل لا دور كبيراً بدون مجازفات.
بدأت تركيا بدفع الكلفة الجدية اعتبارا من فجر امس الاول.
السؤال، أو أحد الاسئلة الرئيسية الآن ليس ما اذا كانت تركيا قد وصلت الى هذه الدرجة الخطرة من المجازفة السياسية بمحض تراكم الاحداث، فلا شك ان رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان وفريقه في الحكومة مصممان على هذه السياسة المتصاعدة وعنوانها الانخراط في نمط تبنٍ من نوع جديد وسلمي وديبلوماسي للقضية الفلسطينية… من ضمن استراتيجية شاملة في الشرق الاوسط وعدد من المناطق الاخرى في العالم…
السؤال اذن ليس حول هذه النقطة… وانما حول ما اذا كانت اسرائيل قد قررت بدون تردد منع تركيا من لعب هذا الدور والاحتفاظ بعلاقات جيدة مع اسرائيل في آن معا؟
يبدو بدون الايغال في تفاصيل التطور الدموي لجريمة قتل وجرح عدد من البحارة والناشطين الاتراك وغير الاتراك الموجودين في "اسطول الحرية"، ان ما حدث يعبر عن قرار اسرائيلي آخر واقوى بنسف اية امكانية لدور تركي في الصيغة التي تريدها حكومة "حزب العدالة والتنمية": علاقات طبيعية مع اسرائيل وقيادة سياسية للمنطقة!
بعثت اسرائيل الرسالة الاولى الى تركيا بانها لن تقبل حدود الدور كما يريده رجب طيب اردوغان وانه على تركيا ان تختار بين صداقة اسرائيل كما تريدها اسرائيل او العداوة معها ولا خيار ثالثا، عندما اهانت السفير التركي لديها في الحادثة الشهيرة مع نائب وزير خارجيتها… لكن امس الاول وفوق مياه المتوسط الدولية المقابلة لسواحلها اطلقت الدولة العبرية مع رصاصاتها القاتلة رسالة اقوى، لا شك انها تعبر بصورة دراماتيكية عن رفضها الدور التركي الجديد في مجالاته المختلفة. وبهذا المعنى تحاول اسرائيل نسف كل توازنات الدور التي لا يمثلها الدور التركي فحسب، بل هي ميزته اصلا قياسا بما عرفناه من ادوار اقليمية سابقة: النموذج الناصري المصري القتالي، الى النموذج الايراني الخميني الممانع وما بينهما من نماذج. بينما نحن هنا مع تركيا في القرن الحادي والعشرين امام محاولة ارساء دور لدولة اقليمية تقدم نفسها كقوة استقرار سياسي واقتصادي، بين العرب والاسرائيليين، وقبل ذلك بينها وبين اعدائها "السابقين" اليونانيين والارمن والقبارصة اليونانيين والمشكلة الوحيدة التي تبقي على صورتها العسكرية بشكل اضطراري هي المشكلة الكردية كونها مشكلة داخلية لا خارجية بينما معادلة "الازمات صفر" التي بلغتها هي ازمات "سابقة" خارجية على معظم حدودها البرية والمائية وفي حدها الادنى لم تعد مشاكل امنية متوترة، وإن كانت لم تحل كليا بعد.
في العمق، ورغم العزلة الاسرائيلية المتمادية بعد الهجوم على سفينة "مرمرة" بل رغم الانكشاف الاخلاقي الاعلامي العالمي لحكومة بنيامين نتنياهو الذي ولّدته المجزرة، فان المأزق السياسي الفعلي هو مأزق تركي، وتحديدا زعامة رجب طيب اردوغان وحكومته الحزبية.
اسرائيل معتادة تقليديا على العيش في نوع دائم من العزلة السياسية رغم مكانتها العضوية في النظام العالمي الذي يقوده الغرب. بينما تركيا، ورغم المكاسب الهائلة المتولدة عن تبلور حضورها الاقليمي والدولي كقوة تحديثية اقتصادية وديموقراطية فانها الآن في طور "صناعة" توازن دقيق وغير مألوف كمركز استقطاب سلمي في العالم المسلم. ولهذا فان الجلافة العنفية الاسرائيلية التي ظهرت – والاكيد انها متعمدة في هذا الاتجاه بالذات – من شأنها على المدى الابعد ان تربك مبكرا قدرة القيادة التركية على صياغة هذه التوازنات المميزة لشخصيتها الصاعدة.
من الصعب الآن بعد المجزرة تصور عودة طبيعية للعلاقات التركية الاسرائيلية. حتى ان بعض المعلقين الاتراك يعتبرون ان "اعلان الحرب" الذي قامت به حكومة نتنياهو سيجعل اي تطبيع مع انقرة صعبا جدا طالما الحكومتان الليكودية و"العدالة والتنمية" في تل ابيب وانقرة موجودتان؟
هذا الوضع سيضيف مدى عزلة "آخر" على اسرائيل. مدى مهم ولكنه واحد آخر يضاف. اما بالنسبة لتركيا فالخيارات بسبب حافة "القطيعة" التي بلغتها العلاقات فستكون اصعب:
1 – تأجل الآن الى أمد غير معروف، إن لم يكن "مات" مشروع الوساطة التركية بين اسرائيل وسوريا.
2 – لا شك ان دوراً تركياً بين الفلسطينيين – خصوصا "حماس" – واسرائيل اصبح غير ممكن في الظرف الحالي (ربما علينا ان نتوقع دورا مصريا "أفعل" في هذا الاتجاه!).
لكن هذا جزء من الموضوع. فاللهجة التركية حيال اسرائيل هي بالنتيجة جزء من توازن "لهجتها" مع اوروبا والولايات المتحدة. كذلك الوضع الداخلي التركي الذي وإن كان يعيش حاليا حالة وطنية عامة من رد الفعل الغاضب على السلوك الاسرائيلي لطالما – اي هذه الوطنية – اشتهر بها الاتراك كدولة – امة في العصور الحديثة، الا ان الزعيم اردوغان سيكون تحت ضغط نقاش داخلي بين النخب التركية سيتبلور عاجلا ام آجلا. ففي النتيجة النخب التركية مدربة على السجال حول الخيارات الكبرى وهذا "التدريب" جزء من كفاءتها التحديثية، بل من شخصية تركيا نفسها التي صنعت صورتها المتقدمة.
لهذا من المنطقي توقع ان يحاول رئيس الوزراء التركي السعي الى امرين متلازمين في المرحلة المقبلة:
1 – امتصاص بلغة قوية وحاسمة الضربة الاسرائيلية ومفاعيلها الداخلية والخارجية مع التأكيد على الخط الاستقطابي الجديد لتركيا باعتباره خيارا استراتيجيا.
2 – الدخول – بعد تراجع العاصفة – في مرحلة "هدوء" سلوكي داخلي وخارجي بالقدر المتاح، "هدوء" باتت تحتاجه الاندفاعة التركية السياسية في السنوات الاخيرة. وهذه حساباتها اقتصادية ايضاً.
لهذا، من المنطقي ايضا ان نتوقع سياسة الحد من "خطوط تماس" غير مبررة تسمح لاسرائيل برمي المزيد من الارباكات… امام ما هو، بشكل شامل، اكبر من مجرد دور:
ولادة دولة ديموقراطية حديثة في العالم المسلم، صاحبة "رسالة" سلمية اقليمية في منطقة متفجرة.
… والدور التركي… ناشئ بالنتيجة…
فلا يجب ان يوضع بشكل عشوائي امام اختبارات متسرعة لحدود قدرته على الاحتمال.
لكن نعرف من التجربة التركية المعاصرة، ان طاقة الدولة التركية على استيعاب الصدمات هي طاقة مُجرَّبة في اكثر من مجال وازمة كبيرين خلال العقود الأربعة الاخيرة… وهناك اكثر من مثل على قرارها السياسي الدقيق والحاسم في اللحظة المناسبة ولو بعد طول انتظار…
"النهار"




















