في مدى أيام أو أسابيع قليلة خضع مجلس الأمن لاختبارين: اختبار العقوبات على إيران واختبار العقوبات على إسرائيل.
وفي المرتين ثبت أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة لادارة باراك أوباما فيها من الثوابت أكثر مما فيها من التغيرات.
فوجئ موقعو الاتفاق الثلاثي، التركي – البرازيلي – الإيراني، لمبادلة الأورانيوم الضعيف التخصيب بالأورانيوم المخصّب الى نسبة عشرين في المئة على الأرض التركية، بأن الولايات المتحدة ومجلس الأمن بأعضائه الدائمين الخمسة ليسوا مهتمين.
لا بل أعلن غداة الاتفاق أن العقوبات ستأخذ مجراها بحق طهران. وكان المفاجئ بالطبع هو المواكبة الروسية – الصينية للموقف الأميركي – الأوروبي المطالب بالحزم في وجه إيران.
في ما بعد تبلور الحديث عن أن كمية الأورانيوم الضعيف التخصيب لدى إيران تضاعفت مما يجعل المبادلة بمثابة إعادة الأمور الى نقطة الصفر، وفي ما بعد فُتح ملف جديد هو ملف استمرار مبدأ التخصيب، لكن ما لفت الأنظار هو اصطفاف "الخمس" في مقابل اصطفاف "الثلاث".
لم تبقَ كلمة إدانة لم تُقل في وصف الهجوم الاسرائيلي على "اسطول الحريّة"، وبدا لأربع وعشرين ساعة وكأن العالم قد اتحد في موقف، نفسي، واحد من الارتكاب الاسرائيلي.
لكن عندما وصلت الأمور الى مجلس الأمن عدنا الى الأساليب التقليدية وجملها، إذا بالبيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن، يجعلنا نضيع في هويّة المرتكب، أما التحقيق فدخل فوراً في متاهة الجهة التي ستتولاه، وهي متاهة لا تبشّر بالخير.
هنا أيضاً بدا وكأن المبارزة بين تركيا – أردوغان واسرائيل، ولم نسمع بما يميز فعلاً مواقف الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، في ما يشبه الخلاف، أو الانشقاق، بين داعين الى عدم افلات إسرائيل وحلفائها الدائمين.
في المرتين الجامع كان تركيا. تركيا المتمردة على الموقف الأميركي من الملف النووي الايراني، وتركيا المتصدّرة لمجهود فك الحصار عن غزة.
وفي المرتين بدا واضحاً وليس ضمنياً أن القرار "الدولي" هو تحجيم الدور التركي.
ما جمع الاتفاق الثلاثي في الشأن النووي هو تقارب الاحجام بين الدول الثلاث، في ما يمكن اعتباره فئة الدول الاقليمية المهمة في مقابل فئة الدول الكبرى على المستوى العالمي.
وما ميّز المواجهة التركية – الاسرائيلية في "بحر غزة" هو محاولة تثبيت الدور التركي الجديد، بالوصول الى نتائج ملموسة. فكان الاتكال على الهيبة التركية لجعل إسرائيل تتراجع عن المواجهة.
لكن حتى هنا جاء القر ار الاسرائيلي الحازم ليعبر عن قرار بتحجيم تركيا، لا يمكن تصوّر أنه بعيد عما تتصوره واشنطن لدور تركيا في الصراع العربي – الاسرائيلي.
عبر "اسطول الحريّة" قالت اسرائيل لأنقرة أن تغيير الدور يعني تغيير المعاملة، وأنه على الأتراك أن يذوقوا "معاملة" العرب طالما أنهم أصبحوا في خانتهم، بل ربما ما هو أسوأ، في النظر الاسرائيلي، أي الاقتراب من "حماس" وليس من "فتح".
حتى الآن لم يخرج ردّ الفعل التركي عن اللفظية "العربية"، فإسرائيل التي بادرت الى النزال تعرف أن أقصى ما تستطيعه أنقرة سلبي، أي وقف العلاقات المميزة التاريخية مع اسرائيل. أما عندما تصل الأمور الى الايجابيات، أي الى الفعل المباشر في النزاع العربي – الاسرائيلي، وفي الوزن الاقليمي عموماً فهو الولايات المتحدة وليس اسرائيل منفردة. والجديد أيضاً هو التواطؤ الروسي – الصيني مع هذا الدور بحيث بدت القوى الأقليمية "عارية" هذه المرّة من كل انقسام على مستوى الدول الكبرى.
قيل كلام كثير عن الدور التركي الجديد في المنطقة، بل في العالم. باعتبار أنها تشارك في ساحات اقليمية عدّة جنوباً وشرقاً وغرباً. لكن ما لم يُقل حتى الآن هو أن تضخيم الدور وامتداده بما لا يتناسب مع الامكانات الفعلية قد يشكّل نقطة ضعف. هذا انطبق على الولايات المتحدة في السنوات الماضية، الا ينطبق على تركيا اليوم؟
"النهار"




















