من الطبيعي ان تحدد كل قارة حدود أمنها وتضع معاييره وسبل تحقيقه من منطلقات داخلية تخص ظروف كل قارة، فالاتحاد الاوروبي يقرر أمن اوروبا وكذلك الامر في اميركا ، وعلى نفس المنوال يجب ان يكون الأمر في آسيا ، خاصة بعد البروز الكبير للدور الآسيوي على المسرح السياسي والاقتصادي مع تصاعد أوزان دول محورية في القارة مثل الصين والهند اللتين شكلتا محاور سياسية واقتصادية أثرت في التوازنات السياسية والاقتصادية التي كانت سائدة فيما قبل ، ومع إضافة الدور الروسي باعتبار روسيا عضوا في مؤتمر الأمن الآسيوي واتخذت نهجا استقلاليا عن مفاهيم الأمن الدولي التي تضعها الدول الغربية وتحدد حدودها منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.
ولأننا دولة آسيوية عضو في المؤتمر المقرر انعقاد قمته في اسطنبول يوم غد، لذلك فالسلطنة معنية أشد العناية ببحث اجراءات الأمن في آسيا وسبل إرساء الثقة بين اطراف المجموعة ، ومن ثم كلف حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ معالي الشيخ سهيل بن مستهيل شماس بالمشاركة في فعاليات مؤتمر التعاون وتدابير بناء الثقة في آسيا التي تبدأ من اليوم وحتى الخميس المقبل في اسطنبول ، حيث يواجه الآسيويون وفي طليعتهم الدول العربية والاسلامية تحديات في شأن تحديد مفاهيم الأمن وتقنين المصطلحات الدالة عليه .
وحيث تقوم سياسة السلطنة الخارجية في مجال الأمن وغيره من مجالات العلاقات الدولية على اساس من احترام مصالح كافة الاطراف ، إلا ان العقد الاخير من الممارسات السياسية على المسرح الدولي شهد كثيرا من التشويه لمفاهيم الأمن اختلطت فيها الأمور بسبب عدوانية بعض اطراف المنظومة الدولية ، مثل اسرائيل التي تعتبر ان امنها يقتضي الاعتداء على جيرانها وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه والاستيلاء على المقدسات والهجوم على السفن في المياه الدولية واتخاذ اجراءات استباقية.
لا تتفق مع اسس القانون الدولي ، كما جرى الخلط بين الكفاح من اجل الحرية والاستقلال وبين الارهاب ، وزادت نسبة فرص المعايير الاستباقية الى حد مصادرة حقوق بعض الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية على نحو هدد بنشوب حروب جديدة في القارة الآسيوية ، كذلك تم تصنيف دول تحاول الحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها السياسي والأمني على انها دول مارقة او داعمة للإرهاب، ووضعت على قوائم واتخذ بشأنها اجراءات عقابية في الوقت الذي تركت فيه دولة مثل اسرائيل تضع المصطلحات التي تتفق ونزعاتها العدوانية ، إذ حرصت على وصف الفلسطينيين بالإرهابيين وروجت آلتها الدعائية لمصطلح (الإرهاب الإسلامي) كي تبرر اعتداءاتها الخارجية.
وحينما يكون عنوان مؤتمر قمة الأمن الآسيوي في اسطنبول هو التفاعل واجراءات بناء الثقة فإن اول الطريق الى ذلك يبدأ بتحديد المصطلحات ووضع اسرائيل امام مسؤولياتها ـ بصفتها عضوا في المؤتمر ـ وإلزامها بتغيير المفاهيم التي تقوم عليها سياساتها تجاه الفلسطينيين والعرب تحديدا.
ولأن تركيا هي رئيسة المؤتمر وهي دولة إسلامية ذات ثقل اقليمي ودولي ايضا ، وكذلك لانها كانت ضحية عدوان اسرائيل على احدى سفنها الاسبوع الماضي في المياه الدولية بينما كانت ضمن قافلة كسر الحصار الاسرائيلي على قطاع غزة وفقدت عددا من رعاياها بزعم انهم (إرهابيون) كما صرح بذلك رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير الحرب إيهود باراك ، لذلك فتركيا مرشحة بقوة للعب دور في صدد تحديد هوية آسيوية لمفهوم الأمن، بعيدا عن أي مؤثرات اميركية او اوروبية.
وهاهو المناخ الدولي مهيأ في مجمله لإعادة النظر في مفاهيم الامن الاقليمي والدولي واتخاذ قرارات شجاعة تتصدى للتشوهات التي لحقت صياغات التفاهمات والمعاهدات الدولية خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط الذي اصبح أمنه مهددا في الصميم نتيجة توالي الاعتداءات الاسرائيلية المدعومة بمساندة غربية تستخف بحقوق الأعضاء الآخرين في المنظومة الدولية بشكلها الراهن.
الوطن




















