كلما اقترفت إسرائيل عدواناً جديداً أو ترتكب انتهاكاً يتنادى العرب الى الاجتماع. ويطلقون التحليلات ذاتها والتصريحات نفسها. ويعيدون الاعتبار الى قرارات قديمة اتخذوها. ويبدو أن أحداً، حتى المجتمعين أنفسهم، لم يعد يصدق أن مثل هذا النهج يمكن أن يؤثر في مجريات المواجهة مع إسرائيل.
وهذه الاجتماعات مناسبة أيضاً لدعوات من هنا وهناك الى سحب مبادرة السلام العربية أو التهديد بسحبها. لا بل تُسمع تحليلات مفادها أن سبب هذا العجز والجمود العربيين في مواجهة العدوانية الإسرائيلية المنفلتة من كل عقال في ظل حكومة بنيامين نتانياهو يكمن في المبادرة العربية. وعليه لا بد من التخلص منها. حتى أن حسابات داخلية ومزايدات دفعت بعض النواب الكويتيين، لمناسبة اعتقال إسرائيل متضامين إسلاميين من الكويت على متن «أسطول الحرية»، فرفعوا توصية الى الحكومة بطلب سحب المبادرة أو انسحاب الكويت منها.
لكن كل هذه الدعوات الرسمية العربية، كما في الحالة الكويتية، لا تتضمن أي بدائل للمبادرة. لا بل تتعارض هذه الدعوات مع المواقف الرسمية المعلنة من حل النزاع مع إسرائيل. أي أن الذين يبدون اعتراضاً أكبر على المبادرة يشددون على أن السلام خيار استراتيجي، وأن المطلوب أن تلبي إسرائيل متطلبات هذا السلام. وهي المتطلبات التي تضمنتها المبادرة العربية: الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة كافة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة عاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية.
في هذا المعنى، تتساوى الممانعة الرسمية مع الاعتدال الرسمي لجهة اعتبار أن صيغة الأرض في مقابل السلام لا تزال صيغة الحل الممكن للنزاع. لتصبح مطالبات رسمية بالتخلي عن المبادرة نوعاً من التكتيك السياسي غرضه إحراج أطراف عربية أخرى، أكثر من كونها نهجاً بديلاً من أجل الوصول الى السلام. ولتصبح نوعاً من إدارة الصراعات العربية – العربية، أكثر من كونها رغبة في مواجهة مسلحة مع إسرائيل، كما تدعو «المقاومات» العربية غير الرسمية.
وفي ظل انعدام أي بدائل عربية عن الديبلوماسية، كما تمثلها مبادرة السلام، بات النظام العربي الرسمي تحت وطأة قطبين إقليميين يدفع كل منهما في اتجاه. من جهة، إيران التي تدعو الى إزالة إسرائيل، معبرة عن هذا النهج عبر «حزب الله» في لبنان وجمهور عربي منتشر في أكثر من دولة عربية. ومن جهة أخرى، تركيا التي دخلت منذ هذا الأسبوع بقوة على خط النزاع وخطفت أضواء المواجهة، وانتزعت حق المشاركة في الحل، بعدما لعبت لفترة دور الوسيط.
أي أن النظام العربي الرسمي الذي يواجه أعباء المواجهة مع إسرائيل، بغض النظر عن أدائه فيها، يواجه أيضاً تحدي النظام الإقليمي الناشئ عن رغبة كل من إيران وتركيا في توسيع دوره، وهو توسع سيكون بالضرورة على حساب الديبلوماسية العربية.
وبذلك يكون التخلي عن الأداة الديبلوماسية الوحيدة المتوافرة لدى النظام العربي بمثابة التخلي عن كل دور محتمل له، وتالياً الالتحاق بقطب إقليمي ناشئ، لن تكون نتائجه على العرب أقل ضرراً مهما كان هذا الالتحاق.
وإذا كان ثمة سعي للاستفادة من الديناميكية الجديدة مع الدخول التركي الى خط الصراع فان تفعيل المبادرة اليوم هو أكثر أهمية من أي وقت مضى، بغض النظر عن استجابة الحكومة الإسرائيلية عليها. وربما يكون تعنت هذه الحكومة وصلفها سبباً إضافياً لحملة ديبلوماسية عربية واسعة لدى عواصم العالم التي شهدت هول الجريمة المرتكبة ضد «أسطول الحرية»، واستخلصت أن هذه السياسة الإسرائيلية هي مصدر الخطر على السلام في المنطقة وربما تدفع الى انزلاق نحو حروب جديدة. فالعالم اليوم سيكون أكثر إصغاء للعرب إن هم فعّلوا مبادرتهم التي باتت تدخل في حساب أي تحرك دولي نحو السلام.
"الحياة"




















