ينبغي أن يكون هم قادة الدول الأول مصلحة بلدانهم، ولا بأس بأن تأتي بعدها المثاليات الدولية، لكن في حالة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل فالحالة معكوسة. وقد وبخ الناخبون الألمان، في انتخابات نيابية جرت أخيراً، ميركل لأنها أنقذت اليونانيين المبذرين بالمال الألماني المختلط بالعرق.
في السنة الماضية، فاز أوباما بجائزة نوبل، لا لما فعل، وإنما لما كان يمثل، فهو بالنسبة للأوروبيين بدا رئيساً أميركياً من نوع جديد، يتعدى مرحلة الوطنية الضيقة، وأكدت رحلات الاعتذار المتعددة التي قام بها، الخطايا الأميركية.
من أجل هذا، فإن أوباما يبدو وكأنه يرى أن على أميركا أن تكون مثالية حتى تكون جيدة، أما الدول الأخرى فيكفي أن تكون مقبولة حتى تكون جيدة.
على الرغم من أن أوباما لا يعتزم إغلاق معتقل غوانتانامو، كما وعد، أو إنهاء سياسات التصنت، إلا أنه ما زال ينتقد سياسات سلفه جورج بوش في مقاومة الإرهاب، ويعد العالم بأنه سيغير السياسة الأميركية الخارجية.
بناء على ذلك، فالرسائل المختلطة التي بعث بها للعالم، تشير إلى أنه إذا كنت ضد أميركا ما بين عامي 2001 و2008، فلا بد أنه كان لديك سبب وجيه، أما إذا كنت صديقاً للأميركيين في تلك الفترة فأنت مشبوه!
محاولات أوباما الدبلوماسية مع إيران وسوريا وفنزويلا، تقول للعالم إن الولايات المتحدة، وليس من هم معادون لها، هي المسؤولة عن توتر العلاقات بين جميع الأطراف في الماضي.
أما العلاقات العريقة مع بريطانيا الديمقراطية، والدرع الصاروخية لحماية أوروبا الشرقية الديمقراطية، فكلها مسائل عفا عليها الزمن ولم تعد صالحة للمرحلة الحالية.
وفي دعوة أوباما للرئيس المكسيكي فيليب كالديرون إلى البيت الأبيض، لمناقشة قانون أريزونا المتعلق بالهجرة، فإنه قد ذهب بعيداً جداً، إذ إن كالديرون، جنباً إلى جنب مع أوباما، تهجم على ناخبي أريزونا لأنهم طالبوا بتطبيق قانون الهجرة القومي، قائلاً إن هذا القانون لا يتجاهل الحقائق فحسب، وإنما يطرح أفكاراً فظيعة ويستند على أساس من التمييز العنصري.
لكن هذا خطأ، وفي الحقيقة فإن القانون يحظر التمييز العنصري ولا يطالب بتطبيق بنوده، وطلب إثبات الجنسية إلا من المعتقلين لأسباب أخرى لا تتعلق بالهجرة.
كان يفترض بأوباما، في تلك اللحظة، أن يصحح أوهام كالديرون وتدخله غير الملائم في السياسة الأميركية، فالحكومة المكسيكية تتعامل مع المهاجرين إليها من أميركا الوسطى بشكل أقسى بكثير من تعامل الولايات المتحدة مع المهاجرين المكسيكيين.
ناهيك عن أن المكسيك أصدرت كتاباً هزلياً مصوراً، قبل فترة من الزمن، يرشد المكسيكيين إلى طرق ينتهكون بها القانون الأميركي، مفترضاً أن الهاربين من المكسيكيين نحو جارتهم الشمالية أميون ولا يبالون بمدى قانونية دخولهم إليها.
أوباما، في رده على كالديرون، شدد على تناقص أهمية وجود الحدود بين البلدين، وأبدى انزعاجه من قانون أريزونا، مع العلم أن هذا القانون يحظى حالياً بدعم 70% من الشعب الأميركي.
وحتى لو أن أوباما قد ذكر في الماضي أن أميركا لا تعد بالضرورة بلداً استثنائياً، لكن كان ينبغي عليه أن يقف إلى جانب الولايات التي ترغب في تطبيق قانون الهجرة، لا إلى جانب دول أجنبية تريد أن تتحايل عليه.
جاء انتقاد أوباما وكالديرون لقانون الهجرة، بعد فترة وجيزة من اجتماع مساعد وزيرة الخارجية الأميركية مايكل بوسنر بالمسؤولين الصينيين، وقيامه، بمبادرة شخصية منه، بطرح قانون الهجرة الأميركية مثالاً على مراعاة أميركا لحقوق الإنسان.
حينها نسي الرجل أنه كان يناقش مواضيع حقوق الإنسان مع نظام لا يعترف بحقوق مواطنيه في التعبير، ولم تمض فترة طويلة بعد على قتله الملايين من شعبه، وابتلاعه هضبة «التبت».
إذاً، بدلاً من أن يبصر أوباما القذى في عين أميركا، عليه ألا يتناسى الجزع في عيون الآخرين، والأفضل له أن يركز على مشكلات الاتحاد الأوروبي، وإغراق كوريا الشمالية للسفينة الكورية الجنوبية، والهجمات الإرهابية المتكررة على الولايات المتحدة، والحروب في أفغانستان والعراق، وتشجيع المكسيك لشعبها على انتهاك القوانين الأميركية.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد
"البيان"




















