ترافقت العولمة السياسية مع تصاعد العولمة الاقتصادية. واصبح ما بين الاثنين تكامل يكاد يقضي على استقلال الدولة القومية وسيادتها. فما هي ظواهر العولمة السياسية وما هي الأحداث الهامة التي واكبت نشوءها؟
الطرف الذي أنتج العولمة، وبالذات الغرب الصناعي المتقدم وفي الصدارة منه الولايات المتحدة الأميركية، سعى الى محاولة دمج أقاليم أخرى في تلك العملية (العولمة). وكان طبيعياً ومنطقياً ان تكون البداية مع شرق أوروبا والاتحاد السوفياتي السابق والذي كان يمثل المعسكر المواجه المناهض للمعسكر الغربي.
ان الاتحاد السوفياتي، الدولة العظمى الثانية في مرحلة الحرب الباردة، تفكك وأصبح غير موجود. ومن قبل ذلك شجع منهج غورباتشوف المرن الاصلاحي دول شرق أوروبا فسقط حائط برلين في 1989 ومن بعده انهار حلف وارسو في عام 1990 ثم كان السقوط العظيم للاتحاد السوفياتي ذاته في كانون الأول 1991.
وبذلك نجحت العولمة كعملية لادماج مجتمعات شرق أوروبا في نمط الحياة الغربية ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً، وسخرت كل الامكانات والخبرات والمؤسسات والأموال من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف. لقد تم ادماج دول شرق أوروبا تدريجياً في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي كان يفترض ان يفقد سبب وجوده بانهيار حلف وارسو في 1990، لكن الناتو تمدد وتوسع ليستوعب منطقة حلف وارسو ذاتها. وانضمت دول من شرق أوروبا ايضاً للاتحاد الأوروبي وأصبحت جزءاً من المجتمع الأوروبي أو الجماعة الغربية، وتغيرت أنظمتها السياسية وتبدلت ثقافتها وأفكارها وقيمها فأخذت بمنظومة قيم المشاركة والتعددية والليبرالية والديموقراطية كأساس لطريقة حياة تلك الدول والمجتمعات.
وبرغم ان روسيا الاتحادية لم تدمج تماماً مع حلف الناتو ولا في الاتحاد الأوروبي، فان العولمة تمثلت في حالتها في تغير نظام الحكم فيها ليقوم على اساس تداول السلطة ديموقراطياً بالانتخابات، وعلى أساس التعدد الحزبي وقيم المشاركة الليبرالية، كذلك فان روسيا الاتحادية اصبحت واحدة من الدول الأعضاء بمجموعة الدول الصناعية الثمانية الكبرى. أي أنها اصبحت عضواً بمجلس ادارة العالم السياسي حتى وان لم تكن على نفس الدرجة من القوة الاقتصادية لكثير من الدول الأعضاء بالمجموعة ذاتها.
واذا كان الاتحاد الأوروبي هو الرمز الأكبر لعملية الاندماج الاقتصادي وللسعي الى تحقيق اندماج سياسي ودفاعي وأمني في المستقبل، فان تشكيل مجموعة الدول الصناعية الثمانية الكبرى ـ ومن قبل كانت مجموعة السبعة G7 ثم انضمت اليها روسيا فأصبحت مجموعة الثمانية G8 ـ وتقدم نفوذها وتحولها الى ما يشبه مجلس ادارة العالم بعد أن أصبح جدول أعمالها غير قاصر على قضايا الاقتصاد والمال والاستثمار وانما تعدى ذلك الى قضايا السياسة والأمن العالمية، ومع بدء دعوة الرئيس الصيني لحضور قمتها في انكلترا في يوليو 2005 ربما تمهيداً لضم الصين الى المجموعة لتصبح مجموعة التسعة G9.
قبل عصر العولمة كانت الدولة القومية صاحبة الاختصاص في ممارسة السيادة الوطنية على الأرض والشعب داخل حدودها الوطنية، كما كانت الدولة القومية هي الفاعل الرئيسي في العلاقات الدولة.
ولقد تغير الوضع كثيراً في ظل العولمة، فلم تعد الدولة القومية تملك اختصاص ممارسة السيادة المطلقة داخل حدود اقليمها منفردة، بل اصبحت هناك كيانات كثيرة اخرى تزاحمها أو تنافسها أو تشاركها في مباشرة تلك السيادة. ومن هذه الكيانات بعض المنظمات الدولية او الشركات العالمية عابرة القوميات أو حتى الجماعات العرقية أو الدينية التي لا تقوم على مبدأ الانتماء الوطني داخل الدولة. ولقد حدث الشيء نفسه في ما يتعلق بتطور مفهوم الفاعلين الدوليين (International Actors) اي القوى المؤثرة في حركة العلاقات الدولية. وفي عصر العولمة، لم يعد بامكان الدولة ان تعزل نفسها عن حركة التجارة العالمية.
ومن هنا فان "قومية الانتاج" التي كانت معروفة حتى الثمانينيات من القرن العشرين تكاد تخلي مكانها لعالمية الانتاج للسلعة الواحدة او الخدمة الواحدة، مما يضعف من قوة تأثير اي دولة قومية على ادارة شؤون الاقتصاد والتجارة.
وفي كثير من الحالات، استدعت حالة الدولة الفاشلة او المهترئة تلك تدخل المجتمع الدولي، او بعض دوله، او دولته العظمى الوحيدة لادارة شؤون تلك الدولة، او لاعادة صياغتها سياسياً، أو لتغيير هويتها، أو لاحتلالها، وأحياناً لتحقيق كل ذلك، وعادة ما كانت مبررات التدخل جاهزة ـ بغض النظر عن مدى جديتها أو صدقها ـ ولدينا في هذا الصدد مبررات من قبيل: "حق التدخل الانساني" في حالة تعرض شعب دولة او جزء منه لسياسات تطهير عرقي أو لجرائم ضد الانسانية، ومكافحة الارهاب، ونزع اسلحة الدمار الشامل، وأخيراً ـ وليس آخراً ـ تحقيق نموذج للاصلاح السياسي الديموقراطي.
ويمكن الاشارة ـ في هذا الصدد ـ الى نماذج صارخة، منها احتلال العراق في 2003، ومن قبله افغانستان في 2001 سواء بقرار من مجلس الأمن أو بدونه.
فماذا ينتظر بعد سيادة الدولة القومية امام زحف العولمة بجميع أشكالها؟
"المستقبل"




















