إذا كانت واشنطن تعتقد أنها تواجه الآن تعقيدات في حمل مجلس الأمن على فرض عقوبات ضد إيران، فإن التحديات المقبلة أعظم بكثير، لا سيما في ضوء التغيرات الدقيقة الطارئة على علاقات القوى الدولية، بسبب أفعال كل من البرازيل وتركيا.
فهاتان القوتان متوسطتا الحجم، البرازيل وتركيا، قد تحدتا للتو اليد العليا لواشنطن في تحديد الاستراتيجية النووية تجاه إيران، حيث أطلقتا مبادرتهما الخاصة لإقناع إيران بالقبول بصفقة مقترحة حول تعاطيها مع قضايا الوقود النووي.
ولم تكن تلك المبادرة مستقلة بالكامل وحسب، بل ونجحت في تحقيق تقدم مهم في وجه تحديات التحذيرات الأميركية القوية لكلتا الدولتين بعدم المضي قدماً بالمبادرة، رغم أنها قريبة جداً من المبادرة التي قدمت لإيران السنة الماضية، وفشلت بسبب مناورات إيران وارتيابها في حقيقة نوايا واشنطن وأسلوبها المعربد.
والأدهى من ذلك أن الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو دا سيلفا، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، تمتعا بما يكفي من القدرات للنجاح فعلاً في مفاوضاتهما مع إيران، بينما كانت واشنطن تتكهن علناً، وتأمل بفشلهما المؤكد. هل ما يبدر عن الإيرانيين مجرد حيلة لكسب الوقت، وهي المناورة التي برعوا فيها؟ أم أن شيئاً مهماً قد طرأ؟
أولاً، المهم في الموضوع ليس فقط بنود الصفقة، بل السعاة الذين أوصلوها، والأجواء المحيطة بها. فقد درجت واشنطن منذ عقود على التعامل مع إيران بشكل غير مباشر، وبصورة دائمة تقريباً، مع الإصرار على جعل الضراوة والعدائية هي «الخلفية الموسيقية» لما يسمى بالمفاوضات. وهذا أمر معتاد بالنسبة لمطالبة القوة العظمى الوحيدة في العالم، للطرفين الآخرين بالموافقة على استراتيجيتها.
فعندما جاء دا سيلفا وأردوغان إلى طهران، كانت اللعبة مختلفة كلياً، ولم يكن المدار على محتوى المفاوضات، بقدر ما هو على شخصية المفاوضين ومكان المفاوضات والأجواء المحيطة بها.
ولم تشعر طهران هذه المرة بأنها تذعن لضغوط من قوة عظمى، بل إنها تقبل بمطلب منطقي لا يمس بكرامتها، من جانب دولتين مهمتين في العالم ليس لهما أي سجل إمبريالي في إيران.
وامتلكت الصفقة مقومات نجاح مهمة من زاوية معينة، فما تتمناه إيران أكثر من أي شيء آخر هو تحجيم السيطرة الأميركية على النظام الدولي، لا سيما قدرتها على إملاء شروطها على الشرق الأوسط.
وإذا كانت إيران تريد التفاوض بجدية بشأن سياستها النووية، فإنها لن تجد وسيلة أفضل من الإذعان لمطالب دولتين محترمتين ناجحتين، تتحديان رغبات واشنطن حتى في عملية إطلاق المفاوضات نفسها. ولو رفضت طهران ذلك العرض، لكانت قد نسفت جوهر مفهوم المساعي غير الأميركية المستقلة البديلة في الاستراتيجية الدولية.
ولذلك كان من الطبيعي والمنطقي جداً أن تقول إيران هذه المرة «نعم» لهذه المقاربة. والكلام نفسه ينطبق على الصين وروسيا. فبعد نجاح دا سيلفا ـ أردوغان مباشرة، أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عن نجاحها الخاص في كسب تأييد الروس والصينيين لفرض عقوبات اقتصادية أقوى ضد إيران، في ردّ مهين جداً على الإنجاز الكبير للمفاوضات التركية والبرازيلية.
فرغم كل شيء، لا يمكن إنكار أن هاتين الدولتين مهمتان جداً للمصالح الأميركية الإقليمية والعالمية. وأن تعمد الولايات المتحدة إلى نسف جهودهما بهذه الطريقة المستفزة، كان بلا شك خطأً كبيراً، ليس فقط في ما يتعلق بالملف الإيراني، بل في السياق العريض للاستراتيجية العالمية، ومن المؤكد أن بقية العالم قد سجلت المزيد من الملاحظات السلبية عن استمرار واشنطن في لعبتها المعهودة.
لكن هل نصدق أن كلينتون قد نجحت حقاً في كسب تأييد الروس والصينيين؟ فكما أن طهران لديها كل الأسباب الموجبة للقبول بمقترح مقدم من دولتين محترمتين، بدل لغة التهديد والوعيد، فإن لدى الصين وروسيا أيضاً كل الأسباب للترحيب بهذه المبادرة المقدمة من جانب البرازيل وتركيا.
صحيح أن بنود الاتفاق مهمة إلى درجة معينة، لكن الأهم بكثير بالنسبة لهما هو الاضمحلال المتواصل، ولو بوتيرة بطيئة، لقدرة الولايات المتحدة على فرض إملاءاتها على العالم. وهذا هو جوهر استراتيجية السياسة الخارجية للصينيين والروس.
وفي نهاية المطاف لن يسمح أي من البلدين للنهج الأميركي المتشدد بالانتصار على النهج البرازيلي التركي في مجلس الأمن، حتى لو احتاجت الصفقة البرازيلية التركية إلى بعض التعديل. فروسيا والصين تقودان مسيرة نشوء مصادر متعددة للقوة والنفوذ العالميين، تسهم في تقويض القوة الأميركية الأحادية المحتضرة.
وبالطبع فإن روسيا والصين تمثلان تعددية الأقطاب البديلة، في الكفاح المتصاعد لإنهاء الهيمنة الأميركية في الشؤون الدولية. لكن الأهم من ذلك في الوقت الراهن، هو أنهما تشهدان الآن تحول مركز الثقل السياسي في السياسة الدولية بعيداً عن واشنطن أيضا.
وهذان البلدان اللذان تحديا الرغبات الأميركية، ليسا مجرد دولتين طنانتين من العالم الثالث تحاولان تسجيل نقاط رخيصة على حساب الولايات المتحدة، وإنما هما بلدان كبيران مهمان، يُفترض أنهما صديقان للولايات المتحدة، وهذا يجعل الإهانة أكثر قسوة.
هذه الأحداث كلها إشارات على عمق أزمة هذا العصر. فمشكلة القوة أحادية القطب هي أنها، في غياب الكوابح والضوابط، لا بد أن تصبح في النهاية معرضة لارتكاب الأخطاء والحماقات.
وعندما تدخل واشنطن عقدها الرابع من الشلل والعجز في التعامل مع إيران، وهي غير قادرة إلى الآن حتى على التحدث معها، كما أنها لم تستطع إلى الآن إقناع نفسها بالحديث مع كوبا بعد خمسين سنة من العداء، فإنها تكون بذلك قد فاقمت المشكلة، وقوّت شوكة إيران والقوى المتشددة في الشرق الأوسط، واستقطبت المشاعر.
وأسوأ من ذلك كله، أنها فشلت على مختلف الأصعدة. ألا ينبغي للعالم أن يرحب بمبادرة دولتين مهمتين مسؤولتين وديمقراطيتين وعقلانيتين، للتدخل والمساعدة في كبح حماقات عقود من السياسة الأميركية؟ هذا هو معنى مفهوم الكوابح والضوابط، وهذا هو سبب تحول مركز الثقل بعيداً عن أميركا.
النائب السابق لرئيس مجلس الاستخبارات القومي الأميركي
"البيان"




















