ثمة أمور كثيرة ليست على ما يرام اليوم في العراق نتمنى لو ننساها، لكنني متأكد من أن هذا البلد العربي العريق تاريخياً، والذي كان على حافة حرب أهلية بحسب البعض أو شهد حربا أهلية بحسب البعض الآخر، يتحسن الآن.
أجرى ريتشارد بيستون، محرر الشؤون الدولية في صحيفة «التايمز» البريطانية، مقابلةً مطوّلة ومهمة مع نوري المالكي منذ بضعة أيام. وكتب بيستون في 17 تشرين الأول (أكتوبر) أن رئيس الوزراء العراقي «يجسّد التغيير خير تجسيد» وتابع بالقول:
«بعد أن أمضى المالكي فترةً في المنفى، اختير ليكون رئيسا توافقياً للحكومة. إلا ان صفة «توافقي» لم تعد تنطبق عليه بعد الآن، إذ أنه قاس مع خصومه الذين أخرجهم من معظم المدن، وقاس مع أصدقائه الأميركيين والبريطانيين. فهو يرغب في أن يخرج الأميركيون في غضون سنوات ثلاث، فيما يستطيع البريطانيون أن يعودوا إلى ديارهم في الحال إذا رغبوا في ذلك».
وجميعنا يتذكر أنه في 8 نيسان (أبريل) الماضي، توجه الجنرال ديفيد بترايوس عندما مثل أمام مقرّ الكونغرس الأميركي للإدلاء بشهادته حول العراق، إلى الجمهور الذي كان يصغي اليه بالقول أن رئيس الوزراء العراقي أمر بشن الهجوم على البصرة مخالفا بذلك ما كان بيتريوس نصحه به. وأضاف أنه لم يتم التخطيط لهذا الاعتداء بالشكل المطلوب وقد نفّذ بطريقة سيئة.
لكن تبين أن الأشخاص في العراق وفي خارجه، الذين شكّوا في قدرات المالكي واعتقدوا أنه يفتقر إلى القوة السياسية لينجح، كانوا على خطأ. فقد ساهم ذلك الهجوم الذي شن في البصرة بدعم من الأميركيين والبريطانيين الذين قدموا الغطاء الجوي، في القضاء على عناصر «جيش المهدي»، وهو أكبر ميليشيا في البلد فضلا عن بعض المجموعات الشيعية غير المنضبطة في بعض المناطق النائية والخطرة. ومن ثم نجح رئيس الوزراء مرة ثانية في ظل أوضاع صعبة وخطرة في «مدينة الصدر». فقد خاطر كثيرا وأخذ القرار الحكيم.
وبحسب الأميركيين، فقد تمكنوا من سحب قواتهم من شوارع بغداد، أما الجيش العراقي الذي يضم حوالي 260 ألف جندي فيتقدم من ناحية الخبرة والأداء وينجح شيئا فشيئا في المهمات التي يتولاها. ولم تدخل الأغلبية الساحقة من القوات الأميركية في العراق، في عمليات القتال في هذه المرحلة بل كانت منهمكة في تدريب الوحدات العراقية الجديدة وفي اصطحابها في دوريات مشتركة معها.
أما المسألة الأمنية الأكبر فهي تراجع السنة عن دعم تنظيم «القاعدة» الذي أُخرج معظم عناصره من العراق. فيما سلّم الأميركيون محافظة الأنبار التي شهدت أعنف المعارك في العراق، إلى الجيش العراقي في الصيف، بعد أن كانت هذه المحافظة مقرّا لتنظيم «القاعدة».
تتضمن الإشارات الأخرى التي تدل على إحراز تقدم، شركات النفط الأجنبية التي تستثمر في العراق والتأثير الإيجابي لأسعار النفط المرتفعة في الفترة الماضية، ووصول السفير الأردني إلى بغداد بعد الزيارة المختصرة التي قام بها الملك عبدالله الثاني في 11 آب (أغسطس) فضلا عن نقل الديبلوماسيين الأميركيين من قصر صدام، مما سيساعد في إعادة بناء المنطقة الخضراء.
لكن لا يسعنا أن ننكر بعض السلبيات. ففي كل شهر يمرّ، يتم قتل مئات العراقيين وتشويههم من خلال استخدام قنابل المتمردين ورصاصهم. فيما يبقى شمال بغداد منطقة خطرة للغاية. أما مستقبل كركوك وهي مدينة قديمة غنية بالنفط، فغير واضح، كما أنها تقع حاليا في يد الأكراد.
يتطلع رئيس الوزراء نوري المالكي إلى التفاوض حول الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية بحلول العام 2011. أما المفاوضات فلم تجر بطريقة حسنة. وتنتظر المملكة المتحدة الأميركيين لمعرفة تفاصيل الاتفاق النهائي. ونظم «جيش المهدي» تظاهرات حاشدة للاعتراض على مدة بقاء الأميركيين.
لقد بدأت الديموقراطية تتجذر في العراق، وقد تم اتخاذ قرارات حاسمة من قبل رئيس الوزراء فيما الاقتصاد يتحسّن، لكن يوافق الجميع على أن الطريق لا يزال طويلاً.
* سياسي بريطاني ونائب سابق عن حزب المحافظين
"الحياة"




















