الآن، بعد أن أنهى العالم إداناته الرسمية وأفاق من هول الصدمة، حان الوقت للتحرك عبر دعم مطلب الامين العام للامم المتحدة (بان كي مون) ووزيرة الخارجية في الاتحاد الاوروبي (كاثرين آشتون) وغيرهما من الذين دعوا إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية ضد القرصنة الاسرائيلية التي استهدفت مدنيين عزل، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة التفعيل المطلوب لمضامين "تقرير غولدستون" الذي مثل نقطة تحول غير مسبوقة في طريق التعامل مع جرائم الحرب الإسرائيلية. وعليه، فإن على المجتمع الدولي الاضطلاع بمسؤولياته الأخلاقية والإنسانية في التدخل العاجل لإلزام إسرائيل الانصياع للإرادة الدولية وقراراتها. فهذه الجريمة تثبت أن إسرائيل في وضع قلق للغاية من تصاعد الحملات الدولية، ذلك ان ما جرى هو بمثابة إعلان حرب إسرائيلية على (40) دولة، بل على الأسرة الدولية، الأمر الذي أدى إلى توسيع دائرة الانتقاد العالمية ضد سياسات الكيان الصهيوني وبصفة خاصة ضد توجهاته ومغالاته الداعمة للتطرف والانحياز العنصري على حساب القانون الدولي والسلام العالمي وحقوق الإنسان بشكل عام وحقوق الانسان الفلسطيني بشكل خاص. لذا، فان الفرصة سانحة الآن للوصول إلى وضع تخسر فيه إسرائيل خسارة إضافية، خاصة وأنها حاليا لا تواجه أخطارا جدية سوى الحملة الدولية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني. فجريمة القرصنة الدموية رسالة للمجتمع الدولي بأسره تؤكد اسرائيل من خلالها تحديها السافر للجميع وتنكرها لابسط المبادئ الانسانية والقيم الحضارية.
ونتساءل هنا: "ما هو المطلوب لمواجهة هذه الغطرسة الاسرائيلية؟!! فمن جهة أولى، العالم العربي والاسلامي اليوم أمام معادلة جديدة واتخاذه موقفا موحدا ضد الكيان الصهيوني فرصة أكبر تساعد في تصاعد النقد والرفض لسياسات هذا الكيان داخل المجتمعات الأوروبية والعالمية بشكل عام. ومن جهة ثانية، يجب التأكيد على ضرورة التشاور والتنسيق مع تركيا ودول الاتحاد الأوروبي حيث تنبع أهمية الحوار العربي مع هؤلاء انطلاقا من اهمية دور هذه الدول لمساندة القضايا العربية وبخاصة تركيا وموقفها المشرف تجاه القضايا العربية. ومن جهة ثالثة، يجب التأكيد على ضرورة تكثيف العمل الاعلامي ضد الحملات الصهيونية في العالم التي تسعى لاعادة تجميل صورة إسرائيل. ومن جهة رابعة، يتوجب التركيز على طلب حماية دولية للشعب الفلسطيني، ورفع الحصار عن قطاع غزة، وإنهاء احتلال الضفة الغربية.
أما فلسطينيا، فالمطلوب، تماما كما قلنا حين وافقت "تنفيذية" منظمة التحرير على المفاوضات "غير المباشرة" وهو أن على "السلطة" و"المنظمة" تحمل مسؤولياتهما في نطاق: ضرورة المراجعة السياسية لمسيرة المفاوضات لاستخلاص العبر، يليه جهد ينتظمه "ميثاق وائتلاف فصائلي" يضم المنضوين في أطر "المنظمة" والفاعلين من خارجها (وخصوصا حركتي حماس والجهاد) بحيث تتحرك كلها وفق "برنامج مقاومة شعبية" يعمل من أجل انجاز رحيل الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية، سواء استمرت المفاوضات أم توقفت (مع إيماننا بعدم جدواها) مع استمرار الجهود لضمان مزيد من حشر إسرائيل في الزاوية عبر التواصل مع العالم وحتى مع الاسرائيليين المؤيدين للتسوية، واستمرار وتصعيد المقاومة الشعبية بمشاركة جميع الفصائل والقوى. كما لا بد من تفعيل دور فصائل ومؤسسات "المنظمة" وبخاصة فتح، فهي حتى الآن غير منغمسة، في الضفة الغربية، بكل قوتها في المقاومة الشعبية. أما فتح وحماس فعليهما بذل جهود أكبر هذه المرة، فقد منحتهما إسرائيل فرصة لا تعوض لإنهاء الانقسام ودفن خلافاتهما أو على الأقل إبداع صيغة للتعايش، فمن المعيب أن يستشهد الأجانب فيما أكبر حركتين تمثلان الفلسطينيين لا تزالان منقسمتين.
ختاما، الكيان الصهيوني استهزأ بدول العالم ونفذ جريمته في عرض البحر في منطقة دولية وليست "إسرائيلية" أمام بصر العالم دون بصيرته. لكن يتلخص السؤال المركزي في ما ستفعله واشنطن، مذكرين بالموقف الأميركي بعد أن بوشر بالمفاوضات "غير المباشرة" حين هددت إدارة الرئيس (باراك اوباما) بأنها ستتحرك وتتصرف بحزم حال قيام أي من الطرفين الفلسطيني أو الإسرائيلي، بعمل استفزازي. وهنا نسأل مع كثيرين هذه الإدارة الواعدة أكثر من سابقاتها: أو ليس ما جرى يجسد استفزازا لا مثيل له؟ العالم اليوم أجمع يقف على مفترق طرق فالأمر لم يعد يقتصر على الفلسطينيين في الضفة والقطاع وما يعانونه من جرائم ترتكب بحقهم فحسب، بل امتد الأمر لكل من يتعاطف معهم ومع القيم الانسانية الحضارية، فهل تساعد إدارة (أوباما) بتطبيق منظومة قيمها الانسانية؟ وقبل ذلك، هل يساعد العالم (ومن ضمنه العالم الاسلامي/ العربي) إدارة (اوباما) في تلك المهمة؟
"المستقبل"




















