جارتنا الفرنسية ـ البيضاء، الكاثوليكية، الباريسية كابراً عن كابر، كما تنبغي الإشارة ـ سألت باستنكار: ‘هل رأيتم أنيلكا؟ أهذا يلعب كرة القدم، أم رياضة المشي البطيء على العشب الأخضر؟’. كان من العبث مناقشتها، بالطبع، ليس في أنّ أداء اللاعب الفرنسي نيكولا أنيلكا كان كارثة بحقّ؛ بل في أنّ أعضاء الفريق الفرنسي بأكمله، وقبلهم قيادات اتحاد الكــــرة، وبينـــهم المـــدرّب الوطني ريمون دومينـــيك، كانوا جميعاً أحدث التجليات على انخراط فرنسا في سيرورة انحدار حثيثة، في ميادين سياسية وفكرية وثقافية وفنّية ورياضية. ورغم ما رشح عن صدام لفظي بين أنيلكا ودومينيك، أثناء استراحة الشوط الثاني من المباراة مع المكسيك، حين أسمع اللاعب مدرّبه شتائم مقذعة وبذيئة، فإنّ بشرة لونه السوداء ينبغي أن لا تكون أوّل العوامل في تحويله إلى وحش الخطيئة الأسود، كما في التعبير الفرنسي الشائع.
ولست أرتاب في أنّ ضيق جارتنا يضرب بجذوره، عميقاً، في قيعان حساسية تلقائية مسبقة، عنصرية المزاج في نهاية المطاف، ضدّ الـ’آخر’ عموماً، والسود بصفة خاصة. ورغم أننا، نحن جيرانها العرب السوريين، ينبغي أن نُصنّف في عداد ذلك الآخر، واقعاً ونظرية، فإنّ سخريتها من أنيلكا على مسامعنا كانت تفيد بأنها تضعه في الخانة الأدنى من تصانيفها الأنثرو ـ أقوامية! كذلك كانت ملاحظتها تشير، في جانب متمم، إلى أنّ فرنسا 2010 تبدّلت كثيراً عن فرنسا 1998، حين فاز البلد بكأس العالم، اعتماداً على الألوان ‘العرقية’ ذاتها التي تشكّل تركيبة الفريق الراهن (الأسود والأسمر والأبيض)، وكانت الوجه الآخر لألوان العَلَم الفرنسي الثلاثة.
وفرنسا الراهنة لا تشبه ذاتها في تلك الحقبة، بصدد واحد من أكثر أبعادها الاجتماعية ـ الثقافية استنارة وخطورة في آن معاً: التعدّدية عموماً، وحضور الآخَر المهاجر خصوصاً. وبالطبع، للتذكير البسيط، كان الفوز بكأس العالم قد دفع إلى جادّة الشانزيليزيه الشهيرة بأعداد من البشر فاقت ما احتشد في الجادّة ذاتها سنة 1944، أثناء مسير الجنرال شارل دوغول، احتفالاً بتحرّرفرنسا من الإحتلال النازي. ولم تكن تلك الحقيقة هي وحدها التي شدّت أنظار العالم الخارجي، بل تجاورت معها، وربما تفوّقت عليها، حقيقة أخرى مفادها أنّ ملايين الفرنسيين صحوا بغتة على الحقيقة الأولى، بل لاح أنّ بعضهم إنما يكتشفها لتوّه!
ولم يكن من المبالغة القول إن تسعة أعشار المواطنين الفرنسيين المتحدرين من جذور أفريقية سوداء أو مغاربية، تنفسوا الصعداء حين أحرز اللاعب الجزائري الأصل زين الدين زيدان هدف التقدّم الأوّل ضدّ البرازيل العريقة، ثم هدف الطمأنينة الثاني، تماماً كما كانت هذه حالهم حين كان اللاعب الأسود ليليان تورام هو صاحب الهدفين في الفوز الحاسم ضدّ كرواتيا. فرحوا بالطبع، وربما إسوة بأيّ مواطن فرنسي آخر أياً كان لون بشرته؛ ولكنهم تنفسوا الصعداء قبل الفرح، أو لعلهم فرحوا على نحو مضاعف بسبب من زفرة الإرتياح تلك، بالضبط.
ويؤثر عن بيل شانكلي، المدرّب الأسبق لفريق ليفربول البريطاني، هذا التعليق الصاعق حول كرة القدم: ‘يعتقد بعض الناس أنّ كرة القدم هي مسألة حياة أو موت. وأستطيع أن أؤكد لكم أنها أكثر جدّية من هذا’! والروائي الأمريكي بول أوستير اعتبر أنّ هذه الرياضة هي ‘البديل عن سفك الدماء’ في الحروب الكونية، ولكن أيضاً في الحروب الأهلية. وفي مقالة قصيرة فاتنة حول أبرز دروس الألفية المنصرمة، اختار أوستير أمثولة كرة القدم بوصفها ‘معجزة’ الأمم الأوروبية في ممارسة كراهية الآخر دون الإضطرار إلى تمزيق أوصاله في ساحة قتال: ‘البلدان اليوم تخوض حروبها في ملاعب كرة القــــدم، بجنود يرتدون السروال القصير. والمفترض أنّ هذه لعــبة، وأنّ التسلية هدفهــا. غير أنّ الذاكرة الخفية لتناحرات الماضي تخيّم على كل مباراة، وكلما سُجّل هدف ترددت أصــداء الإنتصارات والهزائم القديمة’.
وبالفعل، ألا تبدو صورة ‘الصراع’ من أجل الفوز في الملعب، وكأنها مناسبة استثنائية تتيح للأمّة أن توظّف طاقات أبنائها في قتال ‘نظيف’ مع أمم أخرى قد تكون أكثر جبروتاً في جميع الإعتبارات؟ ألا يبدو الإتحاد الدولي لكرة القدم (الـ FIFA) وكأنه البرلمان الأمثل لاتحاد شعوب العالم، أو مجلس الأمن الدولي النموذجي، حيث تتساوى الشعوب في الخضوع لقوانين احتساب الهدف والخطأ وضربة الجزاء، وليس لأحد أن يكون عضواً دائماً حاملاً لسيف الفيتو المسلط على الرؤوس؟ وفي هذا الجانب ذاته، ألا يتفوّق اتحاد الكرة على هيئة الأمم المتحدة، في عدد الدول الأعضاء؟
ثمة فخار قومي وراء التصارع الرياضي الطبيعي، والملعب ينقلب إلى ميدان استذكار للخصوصيات القومية والإثنية والثقافية، وينخرط اللاعبون في تنافس محموم للبرهنة على امتياز أممهم وهوياتهم وانتماءاتهم. فإذا جُرح هذا كلّه، أو معظمه، فإنّ نقائض اللحمة هي التي تستيقظ، ومعها تستفيق الولاءات العصبوية، وتنزيه الذات مقابل تأثيم الآخر، فيتحمل أنيلكا ـ في قياس جارتنا الفرنسية، على سبيل المثال ـ مسؤولية مهانة فرنسا، وليس اللاعبين البيض. وهكذا تنكسر الأيقونة ذاتها، وتنتكس وتنحطّ، فيتخلى الديك الفرنسي عن ألوان أرياشه الزاهية، ويفضّل اللون الأبيض وحده، أو الأبرص ربما!
"الرأي / خاص"




















