حوار: محمد منصور في الجزء الثاني والأخير من هذا الحوار المطول مع الإعلامي المخضرم فؤاد بلاط، المدير العام الأسبق لهيئة الإذاعة والتلفزيون في سورية، والذي شغل العديد من المناصب الإعلامية الهامة: (مراسل حربي في حرب تشرين 1973- نائب رئيس تحرير جريدة الثورة 1974- 1976، مدير مركز التدريب الإذاعي والتلفزيوني التابع لاتحاد إذاعات الدول العربية 1985- 1990، أمين سر اتحاد الصحافيين 1970- 1990، معاون وزير الإعلام 2000- 2002، مستشار في وزارة الثقافة 2006) في هذا الحوار الذي يأتي لمناسبة مرور نصف قرن على تأسيس التلفزيون السوري التي تصادف هذا الشهر، يتحدث الأستاذ بلاط عن الظروف الأمنية التي دفعته للتفكير بإطلاق فكرة المسرح التلفزيوني، وعن تأسيس القناة الثانية في التلفزيون السوري بإمكانات محدودة جداً وإصرار على خلق هوية ثقافية سورية طالما آمن ببلورتها على الشاشة… ناهيك عن الآراء الجريئة والعميقة التي يشرّح فيها أزمة الإعلام السوري من داخل مطبخه… وصولا إلى المطالبة بإلغاء وزارة الإعلام، التي يحلل بكثير من الدقة والموضوعية أزمة دورها التاريخي منذ أنشأت أول وزارة إعلام في سورية في عهد الانفصال.
* من التجارب التي أطلقت في عهدك أيضاً، تجربة ‘المسرح التلفزيوني’ ما هو الهدف من إنشاء المسرح التلفزيوني… ولماذا توقفت التجربة بعد ذلك؟!
*في الثمانينيات رأيت أن المسرح في سورية قد توقف بسبب المشكلات الأمنية التي حدثت… كثير من الناس صاروا يخافون الذهاب لمشاهدة عرض مسرحي… فاخترعنا المسرح التلفزيوني.. بدل أن يذهب المشاهد إلى المسرح، يأتي المسرح إلى بيته. لكن التجربة لم تستمر بسبب تواطؤ حسن النية بين المخرجين والممثلين. أهمية المسرح أن تكون على الهواء مباشرة في مواجهة حية مع الجمهور، وتوتر عالي المستوى يطبع أداء الممثل. أما في المسرح التلفزيوني فعندما بدأوا العمل الثاني أو الثالث أصبحوا يصورون المسرحية لوحة.. لوحة.. مستفيدين من الإمكانية التقنية في المونتاج… فأصبح المشاهد يشاهد المسرحية وكأنها تمثيلية تلفزيونية، ليس فيها توتر وانفعال الممثل في تقمص الشخصية… فقررنا إيقاف التجربة.««’لكن هذا لا يمنع أن بإمكانها أن تستمر فيما لو وجدت صيغة فنية يتحمس لها الفنانون أكثر.
* في عام 1985 وبعد أن استمر التلفزيون السوري لخمسة عشر عاماً بقناة واحدة، تم إطلاق القناة الثانية… وكنت مشرفاً على تأسيسها… كيف انبثق قرار إنشائها… وكيف رسمتم سياستها وهويتها؟!
*في حزيران(يونيو) عام 1984 بدأ الأستاذ ياسين رجوّح (وزير الإعلام) يتفهم بشكل أعمق مشاكل التلفزيون وأهميته وضرورته، وفي الوقت نفسه كان الجمهور السوري يتابع القناة الثانية الأجنبية التي أطلقها التلفزيون الأردني… فاقترحت عليه أن ننشئ قناة ثانية في التلفزيون السوري، لكن بهوية سورية، بحيث تكون قناة ثقافية سورية محور اهتماماتها تعميق التذوق الموسيقي، وتعميق الفهم السينمائي والتلفزيوني، وتعميق الإحساس بالفن التشكيلي… فضلا عن تقديم مسلسلات وثائقية تاريخية وعلمية، ونشرات باللغة الانكليزية والفرنسية.
فعلى صعيد الموسيقى الكلاسيكية كلف الأستاذ رياض قدسي أن يعد برنامجاً عن الموسيقى الكلاسيكية، وأن يعلم المشاهد كيف يمكن أن يفهم هذه اللغة ويستمتع بها، فأنجز عدة حلقات في غاية الروعة والجمال عن موتسارت وبيتهوفن وغيرهما.
وبعد مفاوضات عسيرة مع الدكتور سعد الله آغا القلعة، قبل أن يقدم برنامجاً عن الموسيقى العربية، كي يفهم المشاهد المقامات والنغمات ويدرك خصوصية الألحان الشرقية ويستمتع بإنتاج عباقرتها، واخترنا يوم الجمعة كي يكون للمسلسل التاريخي، وأذكر أن أول مسلسل عرضناه كان (شجرة الدر) كما دأبنا على عرض أغنية طويلة لأم كلثوم في سهرات الجمعة أيضاً.
* كيف كانت الإمكانات المرصودة للقناة؟!
*لم نكن نملك شيئاً… وقد طلبنا من إدارة الهندسة تخصيص أستوديو طوارئ تحت الأرض ليكون الأستوديو الخاص بالقناة، لتعذر تخصيص أستوديو لها في مبنى التلفزيون في ساحة الأمويين… وبحسب معرفتي لم نضطر لشراء أي جهاز جديد ولا كاميرات ولا غيره… وكل ما استطعت الحصول عليه هو استصدار وعد من الأستاذ ياسين رجوح بدفع مكافأة وقدرها عشرة آلاف ليرة سورية توزع على العاملين في القناة عندما تنجز… وقد بدأنا التدريب في منتصف كانون الثاني (يناير) 1985، وانطلقنا ببث القناة على الهواء في الثالث عشر من آذار (مارس) 1985، وقد غادرت الإدارة بعدها بشهرين، ولم يدفع الأستاذ ياسين رجوح المكافأة التي وعد العاملين بها!
* ما هي طبيعة التدريبات التي خضع لها العاملون في القناة الثانية لدى إنشائها؟!
*اخترت عشرة أشخاص من الإذاعة والتلفزيون، من الذين لم يتلوثوا بصراعات الكواليس ومشكلاتها بعد، وكانوا كلهم موظفون جدد… وأقمت لهم دورة في مكتبي بين الساعة الثانية والرابعة ظهراً كل يوم… وكانت الدورة تقوم على لقاءات حية مع كبار الإعلاميين والمفكرين والأدباء… فأي ضيف من الخارج يأتي في زيارة إلى سورية نستضيفه في لقاء مفتوح وكان ممن أتيح للمتدربين التقاءهم: (رئيس تحرير اللوموند- الصحفي البريطاني باتريك سيل- منصور الرحباني) وغيرهم. وكلف كل شخص من المتدربين أن يأخذ موضوعاً محدداً: (العلاقة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي- العلاقة بين أوروبا والوطن العربي- بين الصين والهند… إلخ) كما وزعت عليهم اختصاصات، فكلف أحدهم بمتابعة المنظمات، وآخر بمتابعة الجهات الحكومية… وثالث بمتابعة المؤسسات الإعلامية، وفي الوقت نفسه داروا في جولة اطلاعية على كافة التخصصات في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون من الإدارة حتى الاستعلامات… واستفادوا من محاضرات لزملاء مخضرمين كفايز قنديل وفاروق حيدر وغسان جبري… وخصصنا لهم مكافآت ليشتروا كتباً.. وكانت النتيجة أنهم استطاعوا إنجاز شيء هام في فترة تعتبر قياسية للغاية، لأن الاهتمام الرئيسي كان منصباً على تأهيلهم… فتأهيل الكادر البشري هو عماد نجاح أي تجربة إعلامية برأيي.. وفي الإدارة العامة كل شيء يمكن أن تتعلمه: فن الإدارة، المهنة، القانون، لكن إذا لم تمتلك الرؤية الفلسفية والسياسية، فلا تستطيع أن تنجز شيئاً مقدراً ومعتبراً.
* ما هي أهم المشكلات التي عانى منها الإعلام السوري برأيك؟!
*هناك مشكلة عانى منها الإعلام السوري على الدوام وهي: وزير الإعلام. وزارة الإعلام في سورية استحدثت بعد الانفصال ونهاية دولة الوحدة بين مصر وسورية… قبل ذلك كان هناك وزارة ثقافة وإرشاد قومي تتولى الإشراف على الشؤون الإعلامية.. وإذا تأملنا في حال وزراء الإعلام نجد أن هناك مجموعة من الوزراء جاءوا من الدراسة الأكاديمية: (مصطفى البارودي- د. شاكر مصطفى- عبد الله الدايم) ومجموعة كانت من السياسيين: (عبد الحليم قدور- سامي الجندي- سليم شيا- محمد الزعبي- حبيب حداد الذي تميز أنه إداري حازم ثم أسعد صقر) وهناك مجموعة جاءت من الديبلوماسية: (عدنان عمران- أحمد الحسن- محسن بلال) وما بين الإدارة والإعلام جاء: (ياسين رجوح- ناجي دراوشة- مهدي دخل الله) وهناك وزراء إعلام صاروا وزراء بالصدفة مثل: (جورج صدقني- أحمد حسن الأسعد- حمود قباني- محمد سلمان) هؤلاء لعبت الصدفة دوراً في مجيئهم… أي عندك (50) سنة، لم يكن أي من هؤلاء وزير إعلام بالمعنى الحقيقي ما عدا أحمد اسكندر أحمد… فكل من ذكرتهم كانوا يتمتعون بصفة من الصفات… في حين نحتاج في شخص وزير الإعلام إلى ثلاث صفات:
أن يكون مهنياً جيداً يقنع من يعمل معهم.
أن يكون إدارياً حازماً، أي أن يكون ليناً دون ضعف وحازماً دون عنف.
أن تكون لديه رؤية سياسية مبنية على مشروع فكري نهضوي يوفق ما بين رغبات السلطة وحاجات المجتمع وهمومه.
أحمد اسكندر أحمد كان كذلك… ومن الصعب أن نأتي بأحمد اسكندر أحمد جديد… لذا الأفضل أن نلغي وزارة الإعلام.
* لماذا؟!
*لأن وزير الإعلام في الوطن العربي كله يأتي مقتنعاً أنه يساهم في صنع القرار السياسي، ثم يجد نفسه أنه ينفذ القرار السياسي ولا يساهم في صنعه… فيصبح مديراً عاماً للمؤسسات الإعلامية، ويتدخل بالكبيرة والصغيرة، ويصبح وضع المدراء العامين في منطقة الحيرة، فلا يستطيعون مجابهته، ولا يقدرون أن يبقوا مترددين. وعندما تأتي بمدراء عامين من خارج الإعلام يصبح التدخل من قبلهم في التفاصيل، وتنتهي بأن تصبح الجرائد الثلاثة وكأنها جريدة واحدة، والإذاعة والتلفزيون آخر من يسمعها ويشاهدها هم المسؤولون عنها، فلا صحف تقرأ، ولا إذاعة تسمع، ولا تلفزيون يُرى. وأنا أعتقد أن المسؤولية لا تقع على أحد بعينه، فالوزير يضع المسؤولية على غيره… والمدير العام يضع المسؤولية على غيره… والتحرير يضع المسؤولية على غيره… إنها مسؤولية الجميع بأن يدركوا أن الإعلام يمر بمراحل، ولكل مرحلة مهمتها ووظيفتها.
اليوم وفي ظل قيادة الرئيس بشار الأسد، الإعلام بحاجة أن يلعب درواً فاعلاً ليساهم في عملية الإصلاح والتغيير. بحاجة لأن يكون أداة قوية لطرح المشكلات ومجابهتها وإبداء الرأي في صنع القرار الاجتماعي ومجابهة الواقع. لم يعد مقبولاً ضمن ثورة الاتصالات العالمية وانفجار تكنولوجيا المعلومات، أن يبقى الإعلام كـ’الغرسون’ مهمته أن يلبي كل ما يطلب إليه. وأستطيع’أن أقتبس من آخر مقابلة للرئيس بشار الأسد عندما قال: (الأمريكيون عندهم معلومات كثيرة ومعرفة قليلة). أنا أفسر ذلك بأن مغزى المعلومة أن تذهب إلى المعرفة التي يجب أن تربط بين بنود المعرفة الجديدة في الحضارة الحديثة، لتفرز من خلال توظيفها هذا الكم الهائل للمعلومات، فتشكل وتبدع شيئاً جديداً.
* لو أردنا أن نلخص دور التلفزيون السوري في النصف قرن الأولى التي انقضت من عمره… فكيف يمكن أن تراه؟!
*لاشك أن الإذاعة والتلفزيون في سورية، لعبا دوراً مهماً على صعيد توفير المعلومات ورفد الثقافة العامة للناس، وعلى صعيد المجابهة مع المجتمع ومع السلطة، ولكن المشكلة بالنسبة للتلفزيون السوري أن أداءه كان أشبه بالموجات… تأتي موجة صاعدة تحمل قيم الإمتاع والتجديد والمساهمة في التغيير وتأتي موجة أخرى يعيش فيها التلفزيون على أمجاد البرامج السابقة… علماً أن التلفزيون السوري كان رائد البرامج والأفكار الجديدة في المنطقة حتى ما قبل عصر الفضائيات، حيث تغير الوضع، وبدأ يفقد دوره الريادي وجمهوره… هناك العديد من البرامج والمسلسلات المهمة التي قدمها خلال تاريخه، ويكفي أنه كان المختبر الذي نمت وترعرعت فيه تجربة الدراما السورية قبل أن يكون هناك أي وجود للقطاع الخاص.
وتبقى المشكلة هي في التغييرات التي تحدث في قيادة الإذاعة والتلفزيون، وخاصة التغييرات السريعة… فالتلفزيون هو الحياة مكثفة، وعندما تأتي بأشخاص من خارج المبنى، سيحتاجون لوقت كبير كي يفهموا دور التلفزيون، وطبيعته وحاجات السلطة وحاجات المجتمع، وكيفية مواجهة المشكلات من دون خسائر. أثناء مرض أحمد اسكندر أحمد جاءنا فاروق الشرع وزير إعلام تكليفاً… فكان دقيقاً وحاسماً ومفيداً ومدافعاً… لكنه استطاع بذكائه ألا يتورط في هذا الموضوع لأنه أدرك أنه أتى من خارج الوسط الإعلامي.
* ما الذي يحتاجه التلفزيون اليوم برأيك؟!
*الإبداع في التلفزيون تنهض به فئتان: الكتاب والمخرجون. الكتّاب المبدعون في مجال المسلسلات، والمخرجون في مجال الفن وطرح الأفكار الجديدة. لم يوفق التلفزيون السوري بالكثير منهم على الدوام… وهذان الاثنان بحاجة لخط دفاع أول… كان خط الدفاع الأول بالنسبة لنا المرحوم أحمد اسكندر أحمد، والحامي الأكبر في الموضوعات الكبيرة الذي كان يفهم الدور والطريقة والأسلوب المرحوم حافظ الأسد.
ليلعب التلفزيون والإذاعة دورهما بشكل جدي، بحاجة لرعاية وأمان أكثر… إحساس بالأمان أكثر بالنسبة للمبدعين، واطمئنان عميق بالنسبة للمدراء… والمدير العام في الإذاعة والتلفزيون هو كالأب، لأن الإنتاج الثقافي الذي يقدمه هو إنتاج أسرة… الأب يمكن أن يصفع ابنه، لكنه يسأل الأم: هل جاء إلى الغداء؟! وهكذا في الإذاعة والتلفزيون، يجب أن تتعامل كالأب، وألا تكون لك ذاكرة للأخطاء… فلكل يوم أخطاؤه… وإذا كنت ممن يهتمون بتذكر أخطاء الآخرين فلن تبقي على أحد… وعليك أن يكون معلمك الأول والأخير هو الجمهور.
"القدس العربي"




















