خلال أقل من شهر، أثبت حزب العمال الكردستاني أن باستطاعته بالفعل إيقاع الأذى بتركيا. هجمة بالغة الجرأة على قاعدة عسكرية بحرية في إسكندرون، أدت إلى سقوط عدة ضحايا؛ كمائن لدوريات الجيش التركي في المنطقة الحدودية بين تركيا والعراق؛ هجوم جريء آخر على موقع عسكري تركي قرب الحدود أيضاً، يؤدي إلى مقتل عشرة جنود؛ تفجير عبوة عن بعد بحافلة تنقل عسكريين وأسرهم في أحد أحياء مدينة اسطنبول، تقتل ثلاثة عسكريين ومدنيا؛ وكمين جديد لدورية، تودي بحياة جنديين. كان الحزب اتخذ قراراً بنهاية الهدنة التي سبق وأعلنها من طرف واحد، بانتظار ما ستحققه مبادرة حكومة العدالة والتنمية من مطالب قومية كردية ومطالب لحزب العمال، المعروفة بمبادرة تعزيز الديمقراطية. وقد برر الحزب قرار وضع نهاية للهدنة بأنه فقد الأمل في عزم حكومة حزب العدالة والتنمية على وضع حل سلمي للمسألة الكردية في تركيا. وبالنظر إلى أن حكومة العدالة والتنمية قامت بما لم تقم به أية حكومة مسبقة في طريق التوصل إلى حل سلمي وكريم للمسألة الكردي في تركيا، فثمة سؤال يتردد حول ما إن كانت الحملة الدموية الجديدة التي يتعهدها حزب العمال الكردستاني موجهة فعلاً لحزب العدالة والتنمية وحكومته، وليس بالضرورة لـ ‘تركيا’، أي للدولة التركية ككل أو مؤسستها العسكرية، التي يوجه لها عادة اللوم لموقفها المتعنت من المطالب والأحزب القومية الكردية.
دموية حزب العمال وعدم اكتراثه بالدماء، تركية كانت أو كردية (عدد من الجنود الأتراك القتلى من أصول كردية)، ليس أمراً مستغرباً. ومنذ أعلن الحزب عن نهاية الهدنة، لم يكن هناك شك أنه في طريقه لإطلاق موجة عنف جديدة. المدهش في الهجمات التي شنتها مجموعات الحزب منذ نهاية ايار/مايو إلى نهاية حزيران/يونيو، كان الجرأة البالغة والتخطيط المحكم. الهجوم على القاعدة البحرية في إسكندرون، مثلاً، تم في منطقة خارج نطاق القطاع التركي ذي الأغلبية الكردية في جنوب شرقي البلاد، التي تعرفها مجموعات الحزب جيداً وتتمتع فيها بدعم قطاعات من الأهالي. ويحتاج الوصول إلى إسكندرون، بصحبة عدد من القذائف الصاروخية، لقصف قاعدة بحرية وإيقاع إصابات مميتة بين جنودها، زمناً وقدراً ملموساً من التخطيط، وتسهيلات للانتقال الآمن. وتقول مصادر تركية أن الهجوم الذي أودى بحياة عشرة جنود جرى على موقع عسكري محصن في أعلى مرتفع جبلي، يتطلب تنفيذه تخطيطاً وتجهيزاً طوال عدة أسابيع؛ بل أن التسلق للوصول إلى الموقع يحتاج ليلة بأكملها.
ليس من السهل، بالطبع، تمييز من هو كردي في شوارع المدن التركية، فالأتراك، كما أغلب شعوب المشرق، ينحدرون من أصول إثنية متنوعة على أية حال. وتركيا ليست دولة بوليسية، بل تبدو للزائر أقرب إلى المجتمعات الأوروبية المفتوحة. وربما يوفر مثل هذا المناخ الفرصة لحزب العمال الكردستاني لتنفيذ هجماته الدموية، تماماً كما كانت هناك فرصة متاحة دائماً للجيش الجمهوري الإيرلندي لتنفيذ هجماته في إنكلترا، في ظل مناخ منفتح نسبياً، وصعوبة تمييز النشطين الإيرلنديين بين الشعب البريطاني. ولكن المختلف في الحالة التركية أن عدداً من هذه الهجمات يتم على أهداف تركية عسكرية، وأن المفترض بالجيش أن يكون في حالة استنفار قصوى، سيما في المنطقة الحدودية، حيث تدور حرب فعلية مستمرة مع مجموعات متسللة من حزب العمال منذ أكثر من ربع قرن.
قبل أسابيع قليلة من انطلاق موجة الهجمات الإرهابية الأخيرة، صوت البرلمان التركي على حزمة تعديلات دستورية، اقترحتها حكومة العدالة والتنمية. كان حزب العدالة والتنيمة تقدم في الانتخابات الأخيرة بوعد لوضع دستور جديد للبلاد، يحل محل الدستور الحالي الذي صاغه نظام 1980 العسكري. ولكن أحزاب المعارضة وقفت حجر عثرة أمام مشروع الدستور الجديد طوال الأعوام الثلاثة الماضية. لذلك، اعتبرت حزمة التعديلات البديل الوحيد الممكن في المرحلة الحالية للدستور الموعود. أحد أبرز بنود التعديلات الدستورية يتعلق بنزع سلطة حل الأحزاب من المحكمة الدستورية، وهو الأمر الذي طالما كان سيفاً مسلطاً بأيدي الطبقة الجمهورية الحاكمة ضد القوى السياسية المعارضة والإصلاحية. لم يكن هناك أمل بأن تحصل حزمة التعديلات على ثلثي الأصوات في البرلمان؛ ولكن الهدف كان أن تحصل على الأصوات الكافية لوضعها لاستفتاء شعبي. المشكلة أن كتلة حزب المجتمع الديمقراطي الكردية الصغيرة، المعروفة بولائها لحزب العمال الكردستاني، لم تصوت لصالح حزمة التعديلات، ولا حتى للبند الخاص بحل الأحزاب، الذي يطالها هي على وجه الخصوص أكثر مما يطال الأحزاب ذات الخلفية أو التوجهات الإسلامية؛ مما أدى إلى إسقاط هذا البند في البرلمان، وإخراجه من ثم من حزمة البنود التي قد تعرض على الاستفتاء. في واحدة من سخريات السياسة الكردية في تركيا، صوت النواب الأكراد ضد مقترحات حزب العدالة والتنمية الدستورية، وضد مصلحة حزبهم، في الآن نفسه.
سواء في الموقف الذي التزمته الكتلة الكردية في البرلمان، أو في الإعلان عن نهاية الهدنة، والعودة إلى نهج العنف الدموي، تثير مواقف حزب العمال الكردستاني أسئلة كبيرة، ليس فقط حول استهداف العمال الكردستاني حكومة العدالة والتنمية على وجه الخصوص وحسب، بل أيضاً حول ما إن كان العمال الكردستاني قد دخل في تحالف صريح، أو ضمني، مع قوى الطبقة السياسية التقليدية في البلاد، التي تعتبر الانتخابات البرلمانية القادمة، المقرر انعقادها في العام المقبل، فرصتها الأخيرة لإطاحة إردوغان وحكومته، وإخراج حزبه من الحكم، مرة وإلى الأبد.
منذ وصوله إلى السلطة، وبصورة مركزة، خلال العامين الماضيين، قام حزب العدالة والتنمية بما لم يتعهده أي حزب آخر لوضع حل نهائي للمسألة الكردية. ترتكز السياسة التي يقودها إردوغان على تصور إصلاحي شامل وتدريجي للدولة والشأن العام في تركيا، تصور لا يضع المسألة الكردية في صدر أولوياته وحسب، بل ويعمل على إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، والاعتراف بالتعددية القومية والثقافية والدينية في البلاد. وليس ثمة طريق لحل المسألة الكردية بدون اعتراف الدولة بأطياف الاجتماع التركي. ولا تتعلق هذه القضية بموقع ودور وحقوق الأكراد فقط، بل وبالأسس التاريخية التي يستند إليها النظام الجمهوري. فمنذ ولادة الجمهورية، التي قصد بها تكوين دولة قومية حديثة بالمفهوم الأوروبي للقومية، وضع هدف بناء مجتمع تركي موحد متجانس باعتباره الأولوية العليا والحاسمة للدولة الجديدة. كان رواد الجمهورية الأوائل، وعلى رأسهم مصطفى كمال، يعرفون أن المجتمع الذي ورثوه من بقايا النظام العثماني هو مجتمع تعددي بطبيعته، وعملوا بكل ما أوتوا من قوة الدولة وأدواتها على صهر هذه التعددية في كتلة مثالية، قومية، علمانية، مصمتة. ولم تخل هذه العملية من العنف، العنف ضد الأقليات الطائفية أو الأثنية، والعنف الأفدح ضد الأكثرية المسلمة السنية.
بيد أن المثال الجمهوري لم يلبث أن واجه صعوبات جمة ومتتالية، سواء على صعيد المقاومة التي أبدتها الثقافات الإسلامية المتجذرة، أو على صعيد الثقافات الإثنية والدينية والمتنوعة. وحتى أقصى درجات العنف الذي مارسته الدولة لم يستطع أن يقضي على التعددية المتجذرة في عمق المجتمع. والواضح أن تركيا مطلع القرن الحادي والعشرين تعيش انقساماً ملموساً في رؤيتها للمستقبل. ثمة قوى سياسية، رجال دولة وعمل عام، مثقفون وكتاب وأكاديميون، إسلاميون وليبراليون ويساريون، يرون العواقب باهظة التكاليف لسياسة الانصهار القومي العلماني التي اتبعتها الطبقة الحاكمة التقليدية طوال معظم العقود التسع الماضية من عمر الجمهورية، ويبذلون جهداً حقيقياً من أجل إعادة النظر في هذه السياسة، ووضع تصور جديد للدولة والاجتماع السياسي في تركيا. وفي المقابل، هناك مراكز قوى وتيارات وأحزاب ورجال دولة وحكم يعتقدون أن التخلي عن ميراث الجمهورية وتقاليدها سيطيح بوحدة تركيا واستقرارها، ويجعلها نهباً للطامعين في الخارج وقوى التشظي والانقسام في الداخل. ولا يخلو هذا الانقسام، الذي يستند إلى رؤيتين فكريتين مختلفتين، من بعد اجتماعي، يتعلق بامتيازات الطبقة الحاكمة التقليدية، وموقعها ودورها، في مؤسسات الحكم والدولة، وفي مراكز التأثير الاقتصادي والمالي والثقافي.
وليس ثمة شك أن القوى التي يتحالف معها حزب العمال الكردستاني لإطاحة إردوغان وحزبه وحكومته هي ذاتها التي ترى في نفسها الحارس الأمين لميراث الجمهورية ومثالها الانصهاري؛ وهي ذاتها التي وقفت دائماً بصلابة وعناد في مواجهة حقوق الأكراد الثقافية، وقاومت كافة مباردات الاعتراف بالهوية الكردية، أو الجهود الساعية للنهوض الاقتصادي بجنوبي شرق البلاد. ليس من الواضح تماماً ما الذي يدفع العمال الكردستاني إلى هذا التحالف. قد تنحصر الدوافع في خوف العمال الكردستاني المعروف من التحدي الانتخابي السياسي الذي يمثله العدالة والتنمية في مناطق الأكثرية الكردية، كما لم يفعل حزب تركي من قبل. وقد تكون الدوافع أكثر تعقيداً، وتتعلق بارتباطات خفية وعميقة للعمال الكردستاني، داخل أو خارج تركيا، أو في الداخل والخارج معاً. ولكن المؤكد، على أية حال، أن الحزب الذي بني للدفاع عن الهوية والحقوق الكردية في تركيا، أصبح اليوم مصدر التهديد الأكبر لهذه الحقوق. تتحمل حكومة العدالة والتنمية مسؤولية الدفاع عن أمن البلاد واستقرارها، والاستمرار في الجهود السياسية وغير السياسية التي تستهدف حل المشكلة الكردية في تركيا. ولكن مسؤولية إيقاع الهزيمة بحزب العمال الكردستاني، وسياساته الدموية وتحالفاته التي تثير الأسئلة، على الأقل، ليست مسؤولية الحكومة في أنقرة وحسب، بل والأكراد جميعاً كذلك.
‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث
"القدس العربي"




















