عاد الجنوب اللبناني، نفسياً على الاقل، الى وضع مشابه لما كان عليه قبل حرب 2006، رغم الفارق الذي يمثله وجود اكبر للجيش وكذلك عديد اكبر للقوات الدولية (اليونيفيل). اما المواجهات مع الاهالي فلم تكن سابقاً على هذه الوتيرة التي اصبحت شبه يومية.
هناك شعور على الارض بأن مرحلة انتهت في عمل "اليونيفيل"، وبدأت تلقائياً مرحلة اخرى متأثرة مسبقاً باحتمالات مستقبلية متأرجحة بين حرب ولا حرب. ومع تصاعد اجواء الخطر، وبدء القوات الدولية تحركات غير اعتيادية، كان لا بد من وقوع مصادمات مع الاهالي، فهم يعتبرون انفسهم "شعب المقاومة" التي يُعتقد – نظرياً – انها غير موجودة جنوب خط الليطاني.
فجأة طرحت قضية "قواعد الاشتباك"، رغم ان "قواعد التنسيق" مع الجيش اللبناني هو عنوان افضل لها. واساس المشكلة، اذا كنا فهمنا جيداً، هو مناورة انتشار واسع نفذته القوات الدولية في محاكاة لخطة يمكن ان تنفذها اذا اطلقت المقاومة صواريخ في اتجاه اسرائيل. وها ان هذه المناورة تتزامن الى حد ما مع مناورة اخرى اسرائيلية قريبة من الحدود، بهدف تدريب الجنود على هجمات محددة داخل لبنان على مقار للمقاومة وللجيش على السواء.
تمر "اليونيفيل" بحال حذر وقلق مما يمكن ان يأتي، ولعلها توصلت الى تقييم للوضع مفاده ان "كاتيوشا" واحداً كفيل باشعال المنطقة. لكنها ذهبت الى مناورتها من دون تنسيق مع الجيش، الذي ينسق عندئذ مع المقاومة، التي تنسق بعدئذ ردود الفعل الاهلية. هناك خلل في مكان ما ولم يتبرع احد بشرحه بالكلام المفهوم، ربما لان بعض عمل "اليونيفيل" يرتكز الى اجزاء غامضة في القرار 1701، تماماً كما ان هناك غموضاً يضطر الجميع الى مراعاته لبنانياً لدى الحديث في تفاصيل "الاستراتيجية الدفاعية". ولعل هذا الغموض – المتفاهم عليه ضمنياً – هو ما جعل "اليونيفيل" تظن ان الجيش اللبناني لا يستطيع رفض التنسيق معها في "مناورة الصواريخ"، وقد تكون هي المرة الاولى التي تتلقى فيها القوات الدولية طلباً للقيام بمناورة معاكسة للانتشار المطلوب دولياً ولبنانياً في حال حصول هجوم اسرائيلي.
منذ وجدت القوات الدولية في الجنوب، قبل اثنين وثلاثين عاماً، كانت مهماتها موجهة نحو الجانب اللبناني لا الاسرائيلي. وفي كل الانتهاكات والاجتياحات كانت تفتح الطرق للاسرائيليين، ولم يأخذ مجلس الامن في الاعتبار ان جنود الامم المتحدة يواجهون وضعاً غير متوازن، وانهم موجودون هناك لحماية اسرائيل رغم ان اي قرار دولي لا ينص على ذلك صراحة الا ان تطبيقه يجعل من تلك "الحماية" جوهر المهمة التي تتولاها "اليونيفيل". والواقع ان الوعود والالتباسات التي انطوى عليها القرار 1701 باتت تشكل اليوم الثغرات التي ينفذ منها التوتر. اذ كان مفهوماً منذ لحظة صدور هذا القرار ان عملاً ديبلوماسياً مهماً ينبغي ان يقوم به المجتمع الدولي لتبديد الاسباب التي يحتمل ان تجدد المواجهة الحربية، ومن ذلك استكمال ترسيم الخط الازرق ليشمل مزارع شبعا وجزءاً من قرية الغجر. وقد طرحت بالفعل سيناريوات عدة في عهد حكومة ايهود اولمرت، ومن الواضح انها لم تتوصل الى نتيجة. وقد كان الهدف المعلن ازالة آخر ذرائع المقاومة التي كانت استمرت بعد تحرير الجنوب عام 2000 من اجل تحرير كامل الارض.
هذا الفشل الديبلوماسي الدولي استدعى او توازى مع فشل الجانب اللبناني في تنفيذ ما طلب منه لبسط سلطة الدولة والجيش وضبط "الميليشيات". ليس ممكناً التكهن الآن بما كان سيحصل للمقاومة لو نجحت المساعي الدولية في استعادة كامل الارض، فهذا لم يحصل. ولم يكن ممكناً للدولة في اي حال ان تبادر الى ما هو مطلوب منها، اذ كانت مؤسسات هذه الدولة منقسمة على نفسها في ازمة سياسية حسمت عسكرياً ولا يزال هناك من يلوّح بتكرارها، رغم ان الظروف تغيّرت.
حتى لو لم يكن الهدف من المواجهات مع "اليونيفيل" مبرمجاً، الا انه يبدو اشبه بـ"بروفة" اولى، بل حتى اشبه باختبار اول لمعادلة "الجيش والمقاومة والشعب". ورغم ان النقاش اللبناني يحاول التمييز بين العناصر الثلاثة، ولعله يلقى تفهماً في بعض العواصم، بل لعل بعض التفهمات شكلية ولا تمثل مواقف وسياسات ذات فاعلية، الا ان اسرائيل حررت نفسها من اي تمييز بين الدولة والمقاومة، وهي لم تكن يوماً معنية بالعنصر الثالث في المعادلة، اي الشعب، وقد برهنت ذلك في حرب تموز.
اذا كانت هناك مؤشرات تغيير في اداء "اليونيفيل"، واذا استمر هذا التغيير، فهو يعني ان ضغوطاً تمارس دولياً، اما لارضاء اسرائيل وتهدئة اندفاعها وتعطشها الى حرب، واما لدفع الدولة اللبنانية الى اعادة توضيح التمايز بين الجيش والمقاومة بغية تثبيت "الخط الاحمر" الدولي الذي يمنع اسرائيل من التعرض للدولة ومؤسساتها. وفي الحالين لا تبدو المهمة قابلة للنجاح، خصوصاً ان الوضع اللبناني لم يعد رسمياً كما كان في فترة ما قبل العام 2000 او حتى عشية حرب 2006.
ما يمكن عمله الآن هو استعادة الشفافية في التنسيق بين "اليونيفيل" والجيش اللبناني. فإذا لم يكن هناك ما يشتبه بأنه تصرفات غير مبررة من جانب القوات الدولية، فلا داعي للذهاب الى حد اهانة افرادها واستعدائهم. ذلك ان الاسهل هو هزّ الارض تحت "اليونيفيل" واشعار الدول المشاركة بأن جنودها غير مرغوب فيهم، اما الاصعب فهو مواجهة وضع على الحدود من دون قوات دولية، بل ان هذه ستكون وصفة لاستدعاء التي يقول الجميع – باستثناء اسرائيل – انه لا يريدها.
"النهار"




















