أصدر السيد وزير العدل التعميم رقم /20/ تاريخ 2/7/2009 تضمن حرفياً ما يلي : (( كثرت في الأونة الأخيرة الشكاوى من التأخير في البت بطلبات إخلاء السبيل في القضايا الجنائية وبعض المدعى عليهم أغلبهم أظناء وعندما يتقدم المتهمون بطعون بتلك القضايا في حين أن الأظناء موقوفون، وحفاظاً على الحريات العامة، وعند وجود موقوفين وأخرين طلقاء ويكون القرار الصادر عن قاضي التحقيق أو الإحالة نهائيا ويتقدم الطلقاء بطعون أمام غرفة الإحالة بمحكمة النقض، ولايستطيع قاضي التحقيق والإحالة النظر بإخلاء سبيل الأظناء وغيرهم لكون يده رفعت عن القضية بعد صدور قراره النهائي. فإننا نهيب بالسادة القضاة في مثل هذه الحالات تصوير الملف صوراً مصدقة ترسل إلى محكمة النقض غرفة الإحالة، وإرسال الملف الأساسي إلى المحكمة المختصة لمتابعة النظر في القضية ونهيب بإدارة التفتيش القضائي والمحامين العامين مراقبة حسن تطبيق هذا التعميم. "
وقد استغرب الكثير من المحامين والمهتمين واستهجنوا صدور هكذا تعميم من وزير العدل المفترض فيه ليس معرفة القانون وحسب، بل وحماية القانون من أي انتهاك والحرص على التقيد بأحكامه وحسن تنفيذه، فالتعميم المذكور الصادر عن السيد الوزير يخالف صراحة قانون اصول المحاكمات الجزائية، الذي لم ينص في أحكامه ومواده "على تصوير ملف القضية وإرساله إلى محكمة النقض عند الطعن بها من قبل أحد المتهمين وإرسال الملف الأساسي إلى محكمة الجنايات لمتابعة النظر فيها"، بل نص في المادة 350 منه بوضوح لا لبس فيه على : (1- عندما تكتمل اضبارة الطعن يرسل رئيس ديوان المحكمة اضبارة النقض وملف الدعوى مرفقين بجدول مصدق بما يتضمناه من الأوراق إلى النيابة العامة فترفعها برمتها إلى النائب العام لدى محكمة النقض.2- تسجل الوراق في سجلها الخاص ثم يرفعها النائب العام لدى محكمة النقض إلى الدائرة الجزائية مرفقة بمطالبتها في ميعاد ثمانية أيام على الأكثر من وصولها إلى ديوانه). و(تدقق المحكمة اضبارة الطعن فإذا وجدت أن الاستدعاء مقدم ممن ليس له حق الطعن أو أن الشرائط الشكلية ناقصة أو لم تكمل في الميعاد القانوني قررت رد الاستدعاء في الشكل. 351) إما ( اذا كان الاستدعاء مقبولا في الشكل فلا حاجة لإصدار قرار خاص بذلك بل تدقق المحكمة في اسباب النقض وتفصل فيها بالرد أو القبول. مادة 352).
إن تبرير صدور هذا التعميم من أجل الإسراع في البت بطلبات إخلاء السبيل حرصاً على الحريات العامة باعتبار أنه لايحق لقاضي التحقيق أو قاضي الإحالة بعد صدور قراره النهائي النظر بإخلاء السبيل، هو تبرير لايتفق وأحكام القانون الذي أجاز لمحكمتي الجنايات والنقض البت بطلبات إخلاء السبيل وهذا ما نصت عليه الفقرة الرابعة من نص المادة /130/ حرفياً: (4- يجوز لمحكمتي الجنايات والنقض إثناء نظر القضية ان تخلي سبيل المتهم اذا استدعاهما وذلك وفقا لقواعد تخلية السبيل المنصوص عليها في هذا الفصل، على انه لايجوز إخلاء سبيل المتهم الا بكفالة نقدية او مصرفية كما لايجوز إخلاء سبيل المتهم الفار الذي قبض عليه او سلم نفسه بعد صدور الحكم بحقه غيابيا. ).
ونقترح هنا على السيد الوزير طالما أنه حريص فعلاً على الحريات العامة وحريص على سرعة البت في طلبات إخلاء السبيل أن يهيئ السبل التي تمكن القضاء والقضاة من القيام بالعمل القضائي في أفضل صورة، ونعتقد إن استحداث غرف إحالة جديدة في محكمة النقض سوف يختصر كثيراً من الجهد ويوفر كثيراً من الوقت على المواقيف الذين يحرص السيد الوزير على حريتهم. وبالتأكيد إن الرسوم القضائية الجديدة التي مضى شهر على تطبيقها- والتي قيل أنها مخصصة لبناء دور محاكم وصيانتها- كافية لاستحداث ليس غرفة إحالة بل قصر عدل بكل عدته وعتاده.
أما ما قاله البعض لجهة أنه إذا طعن أحد المتهمين فلا يستفيد من الطعن باقي المتهمين في القضية على اعتبار أنهم رضخوا لقرار قاضي الإحالة الذي أضحى مبرماً بحقهم، هذا القول يمكن أن يكون صحيحاً في الجرائم المنفصلة ، أما في الجرائم المتلازمة فلا يمكن القبول بهذا القول، والقانون جاء صريحاً لجهة استفادة باقي المحكومين من الطعن المقدم من أحدهم ،وهذا مانصت عليه المادة/ 362/: (اذا كان مقدم الطعن احد المحكوم عليهم وكانت الأسباب التي بني عليها النقض تتصل بغيره من المحكوم عليهم معه في الدعوى فيحكم بنقض الحكم بالنسبة إليهم أيضا ولو لم يطعنوا فيه). وفي هذه الحالة ستجد محكمة الجنايات نفسها ملزمة بإلغاء كافة الإجراءات التي اتخذتها قبل صدور قرار غرفة الإحالة في محكمة النقض وهذا الأمر سوف يربك عمل المحاكم والقضاة، وسيؤدي أيضاً إلى صدور أحكام متناقضة عن المحاكم في القضية الواحدة التي ستنظر فيها بموجب هذا التعميم محكمتان في نفس الوقت هي محكمة الجنايات التي ستتابع النظر في الملف الأساسي من جهة، في الوقت التي ستنظر فيها أيضاً غرفة الإحالة في محكمة النقض عند الطعن بقرار قاضي الإحالة من أحد المتهمين. علماً أن كافة الأنظمة القضائية في العالم تمنع النظر في الفعل الواحد من قبل محكمتين في آن واحد، سواء ارتكب هذا الفعل من قبل شخص واحد أوعدة أشخاص، وذلك حرصاً على أن لاتصدر قرارات متناقضة في القضية الواحدة .
أما السؤال الذي لم نلقى أية إجابة عليه حتى الآن ماهو مصير الإجراءات التي قامت بها محكمة الجنايات، فيما إذا نقضت غرفة الإحالة بمحكمة النقض الطعن المقدم من أحد المتهمين أو الأظناء ضد قرار قاضي الإحالة؟ والسؤال الأخر ماهو الحل فيما إذا أصدرت محكمة الجنايات حكمها في القضية وحكمت على الطاعن، ثم قامت غرفة الإحالة بنقض قرار الإحالة ؟
بالتأكيد لن يكون المتهمين سعداء لهذا إلاطالة في دعواهم ، وبالتأكيد لن يسعد هذا الأمر أيضا قضاة محكمة الجنايات الذين سيكون مضطرين لإلغاء كافة الإجراءات التي اتخذوها سابقاً، وإعادة النظر من جديد في القضية استناداً لما انتهى إليه قرار محكمة النقض الواجب الأتباع من قبل محكمة الجنايات، وتضيع تلك الجهود التي بذلوها هباء. أليس هذا إرباكاً لعمل المحاكم وتضييعاً لجهد القضاء والقضاة؟ وهل من مصلحة القضاء إشغاله بقرارات وأحكام متناقضة ستحتاج إلى جهد جديد نحن بحاجة إليه أمام هذا الكم المتزايد من القضايا؟
وأخيراً، نؤكد على أن ما قيل في تبرير هذا التعميم من أنه جاء لمصلحة المتهمين أو المواقيف الذين لم يطعنوا في قرار قاضي الإحالة ، ولضمان سرعة البت بطلبات إخلاء السبيل، وحرصاً على الحريات العامة. لا يبرر إطلاقاً إصدار تعميم لايخالف القانون وحسب، بل ويربك العمل القضائي ويطيل أمد التقاضي ويفسح المجال أمام صدور قرارات متناقضة في القضية الواحدة.
والتعميم يجب أن لا يعلوا فوق القانون، وأن لا يكون معطلاً لأحكامه، بل يجب أن يكون منسجماً مع أحكام القانون ويسهّل من حسن تطبيقه وتنفيذه.
" كلنا شركاء "




















