(بروفسور محاضر في العلوم السياسية والإعلام في جامعة بار إيلان، خبير في الشؤون الأميركية)
حتى لو لم تكن الصور والمواقف التي صدرت عن أوباما ونتنياهو في نهاية لقائهما تعكس حقيقة ما قيل داخل الغرفة البيضاوية بالبيت الأبيض، إلا أنها تبعث برسائل هامة إلى منطقتنا وإلى مواطني الولايات المتحدة الذين سيشاركون بعد أربعة أشهر في انتخابات الكونغرس.
لقد اضطر كل من نتنياهو وأوباما للسير على حبل رفيع جدا. كلاهما واقع تحت ضغط ممارس من جهتين، بين استراتيجيات سياسة الخارجية والأمن وبين محافل سياسية داخلية. أوباما واقع من جهة تحت ضغط نهجه تجاه إسرائيل وحل المواجهة الفلسطينية – الإسرائيلية، ومن جهة ثانية تحت ضغط مكانته المتدهورة في أوساط الناخبين بشكل عام وفي أوساط أصدقاء إسرائيل بشكل خاص. بدوره نتنياهو عالق بين مطلب أوباما وبين العناصر الأكثر يمينية في ائتلافه الحكومي. وقد رمى لقاؤهما إلى صد الضغوط وتحسين مكانتهما في الداخل والخارج، ويبدو أن هذا اللقاء حقق أهدافه.
في كل اللقاءات السابقة بين الرجلين، انتقد رئيس الولايات المتحدة رئيس الحكومة، وبخه، ضغط عليه، وفي بعض الحالات أهانه. وقد بذلت الإدارة الأميركية كل جهد ممكن للتأكيد على الخلافات في الرأي بين الطرفين، وعلى عدم رضا الرئيس الأميركي عن رئيس الحكومة وسياسته. لكن الأمور انقلبت رأسا على عقب في هذه الزيارة. فقد أثنى أوباما على نتنياهو وسياسته، تعامل معه باحترام وشدد على المجالات التي يوجد فيها اتفاق بين الطرفين. وكلا الرجلين اعتبر اللقاء بينهما ممتازا، وتبادلا كيل المديح والثناء.
ينبع التغيير الذي طرأ على طريقة تعامل أوباما من تداخل عوامل سياسية خارجية وداخلية. فاستراتيجية الضغط القاسي على رئيس الحكومة وخلق أزمة في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تثمر النتائج المرجوة، ولم تحسن مكانة الولايات المتحدة في العالم العربي والاسلامي، ولم تؤد إلى تقدم المحادثات بين إسرائيل وبين الفلسطينيين، ولم تحدث تحولات استراتيجية في سياسة نتنياهو.
على العكس من ذلك. اهتزت مكانة الولايات المتحدة، وهذا حدث لجملة أسباب من بينها تساؤل الحلفاء العرب للولايات المتحدة حول ما إذا كانت هذه هي النظرة التي تمنحها الولايات المتحدة إلى من تُعتبر، حتى من قبل أوباما، الحليف الأكثر أهمية لها في الشرق الأوسط. وتوصل الفلسطينيون إلى خلاصة مفادها أنهم لا ينبغي عليهم فعل شيء- فالولايات المتحدة ستقوم بالعمل بدلا عنهم وستأخذ من إسرائيل كل التنازلات التي طالبوا بها.
محاولات ترميم أوباما
على المستوى الثنائي، توصل أوباما إلى خلاصة تفيد أنه من الأفضل التأثير على نتنياهو بواسطة العناق والملاطفة بدل توجيه الصفعات له وممارسة الضغوط عليه. وعلى المستوى الاقليمي، الرسالة التي خرجت من اللقاء ترمي إلى تغيير التفسير الذي أُعطي للتوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والذي مس بالمصالح الأميركية المهمة في المنطقة والعالم.
هذه الرسالة أوقفت الانجراف في العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، وشددت على الصلات الأمنية والسياسية الوثيقة جدا بين الطرفين. فأوباما يحاول ترميم العلاقات الخاصة بين الدولتين، وحتى أنه عبّر عن ذلك من خلال تطرقه إلى المشروع النووي الإسرائيلي.
الرسالة التي بعث بها اللقاء إلى الفلسطينيين تقول أن عليهم وقف البحث عن ذرائع، والدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وهذه الرسالة تلمح إليهم بعدم البناء على خطة سلام أميركية تُفرض على إسرائيل في حال عدم توصل الطرفين إلى اتفاق بينهما بأنفسهما. والرسالة الموجهة إلى المنطقة تقول أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل، وأن من يعتقد أنه يستطيع استفزازها والمس بها من دون ثمن ومن دون رد، فمن الأفضل له أن يعيد التفكير بذلك.
تهدئة الناخبين الأميركيين
بعد أربعة أشهر ستجري انتخابات لكل أعضاء مجلس النواب ولثلث أعضاء مجلس الشيوخ. وقد تدهورت مكانة أوباما في أوساط الناخبين وهو بحاجة إلى كل صوت. علاقته مع رئيس الحكومة ومع إسرائيل تثير انتقادات في أوساط أصدقاء إسرائيل بالولايات المتحدة، ومن بينهم أعضاء الحزب الديمقراطي. وقد اضطرت أغلبية هائلة من أعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب من كلا الحزبين لإرسال رسائل انتقاد له ومطالب بتغيير تعامله مع إسرائيل عدة مرات. والوتيرة التي وُجهت فيها الرسائل لم يسبق لها مثيل. لذلك، رمى اللقاء مع نتنياهو أيضا إلى تهدئة الناخبين بين صفوف مؤيدي إسرائيل، والتشديد أمامهم على التغيير في التعامل معها.
الخلاف مع الولايات المتحدة مسّ أيضا بمكانة نتنياهو. فالعلاقات الاستراتيجية مع الأميركيين، حيوية لإسرائيل، ورئيس الحكومة الذي لا ينجح في الحفاظ عليها يبدو كمن يلحق الضرر بأمن الدولة، ولا سيما في الفترة التي تتدهور فيها مكانة إسرائيل في العالم، والتي تتعرض فيها لتهديدات خطيرة من جانب دول مثل إيران وحلفائها. فنتائج اللقاء مع أوباما تتيح لنتنياهو الادعاء أنه يرمم العلاقات مع إسرائيل من دون أن يدفع اثمانا باهظة. وبذلك، يعزز مكانته في أوساط الجمهور وأعضاء ائتلافه الحكومي.
لقاء القمة لم يقض على الفجوات العميقة التي نشأت بين أوباما ونتنياهو على مستوى وجهات النظر، الايديولوجيا والسياسة. لكن الطريقة التي عُرض فيها اللقاء تخدم اولا المصالح المشتركة على المدى القصير. فأوباما يريد منع انهيار المحادثات بين إسرائيل والفلسطينيين، لا بل دفعها قدما للوصول إلى صيغة المحادثات المباشرة. وهو يريد تعزيز مكانته قبيل اتخابات تشرين الثاني في أوساط مؤيدي إسرائيل، ويأمل ويتوقع أن تفضي المحادثات المباشرة إلى استمرار عملي في تجميد البناء الاستيطاني في الضفة الغربية.
في المقابل، نتنياهو معني بمحادثات مباشرة، بترميم العلاقات مع الولايات المتحدة، وبتعزيز ائتلافه. وقبيل نهاية السنة الميلادية فقط سيكون ممكنا الحكم ما إذا كان اللقاء يشكل فعلا صفحة جديدة من التعاون في العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، أم مجرد هدنة بين فترات الخلاف، التوتر والأزمات.
("يديعوت أحرونوت" 8/7/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















