غسان شربل
رافقتُ منذ أعوام مسار العلاقات السورية – التركية. رافقتُهُ من دمشق وأنقرة معاً. في البدايات اعتبرت ما سمعته من كبار المسؤولين في البلدين نوعاً من التمنيات. وليس غريباً أن يستقبل الصحافيُّ العربي بالتشكيك الكلامَ عن علاقات بين جارين على قاعدة الاستقرار والبحث عن الازدهار، وذلك على رغم اختلاف الانتماءات واللغات ومرتكزات النظام وآليات عمله. ومرد الشكوك أن الشرق الأوسط ليس معروفاً بعلاقات الود بين الجيران حتى حين ينتمون الى عائلة واحدة.
وتقضي الأمانة القول إنني في السنوات الثلاث الأخيرة كنت أشعر بالحسد. يصعب عليّ كلبناني قبول أن تكون علاقات دمشق مع أنقرة أفضل من علاقاتها مع بيروت على رغم معرفتي بأثقال التاريخ، خصوصاً أثقال العقود الأخيرة. وشعرت بالحسد كعربي إذ يصعب عليّ فهم أن تكون علاقات دمشق مع أنقرة أفضل من علاقاتها مع هذه العاصمة العربية أو تلك، وذلك على رغم معرفتي بثقل البارحة والتنازع على الأدوار واختلاف الحسابات والقراءات.
لا يتسع المجال هنا لإجراء مقارنة بين العلاقة السورية – الإيرانية والعلاقة السورية – التركية. ولدت الأولى قبل نحو ثلاثة عقود في ظلّ عالم مختلف لم يعد موجوداً (غياب الاتحاد السوفياتي) وفي ظل مشهد إقليمي لم يعد قائماً (غياب نظام صدام حسين وتطورات أخرى). في السنتين الأخيرتين لازمني شعور أن علاقة دمشق مع طهران ترتكز على حسابات الماضي والحاضر وأن علاقة دمشق مع أنقرة ترتكز على حسابات الحاضر والمستقبل. أكتب هذا داعياً الى اجتناب الاستنتاجات المتسرعة وتخيل سيناريوات الافتراق أو الطلاق حتى ولو ظهر تباين بين سورية وإيران على أرض العراق ولاحت ملامح عدم تطابق بينهما على أرض لبنان.
أكتب من بيروت حيث يسود الاعتقاد بأن صفحة الصدام اللبناني – السوري أو الصدام بين قسم كبير من اللبنانيين وسورية قد طويت فعلياً وأن صفحة جديدة بدأت. لا أملك معلومات تفصيلية عما دار في الزيارات الأربع التي أجراها الرئيس سعد الحريري لدمشق ومحادثاته مع الرئيس بشار الأسد، لكن يخالجني شعور بأن رياح الواقعية هبت على جانبي الحدود. والواقعية من ثمار مراجعة لا تحتفظ من الماضي إلاّ بعبَرِه ودروسه.
رياح الواقعية هبّت بفعل عوامل عدة. المصالحة العربية التي أطلقها الملك عبدالله بن عبدالعزيز وكانت المصالحة السعودية – السورية أبرز ثمارها. والجهود التركية الدؤوبة لمحاصرة الحرائق بمفردات الاستقرار ووعود الازدهار. وشعور سورية بقدرتها على الانتقال من مرحلة ردّ الضربات أو اتقائها الى مرحلة تقديم نفسها كقوة استقرار على رغم تصاعد سخونة الملف الإيراني وانسداد الأفق في ملف السلام.
بيروت المبتهجة بهبوب رياح الواقعية والصفحة الجديدة تغرق منذ أيام في المخاوف من «خريف ساخن». والسبب التكهنات حول اتجاه القرار الظني في المحكمة ذات الطابع الدولي الى اتهام عناصر من «حزب الله» بالضلوع في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. وواضح أن الخطوات الداخلية لتفادي الخريف الساخن صعبة ومؤلمة وربما تفوق قدرة اللاعبين المحليين على اتخاذها. لكن الخريف الساخن إذا اندلع ينذر بفتح جروح تتخطى الانهيار اللبناني الى تهديد ما تحقق في المنطقة من مصالحات وتقارب خلال السنة الماضية.
لهذا يبدو المطلوب محاصرة الخريف الساخن. بالاستمرار في البناء على المصالحة السعودية – السورية. وبتشجيع التحرك التركي في أكثر من اتجاه. وبتعميق ملامح الصفحة الجديدة بين بيروت ودمشق اقتداء بالنموذج بين دمشق وأنقرة. استثمار هذه الأوراق يمكن أن يوفر مظلة عربية ودولية لاحتواء الخريف الساخن ومنع أي مجازفة قد تجعل بيروت أخطر من بغداد.
بيروت الغارقة في التشاؤم تراهن على المواعيد القريبة لاحتواء الخريف الساخن أو قطع الطريق عليه. زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز. وزيارة الرئيس بشار الأسد. وزيارة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. لهذا تبدو الأيام القليلة المقبلة حاسمة في السباق بين المظلة والعاصفة.




















