لم تعد سوريا بالنسبة للأوروبيين مجرد ملف إنساني مرتبط بصور الدمار واللاجئين كما كان الحال خلال سنوات الحرب الأولى. فبعد سقوط النظام ودخول البلاد في مرحلة سياسية مختلفة، بدأت العواصم الأوروبية تنظر إلى دمشق الجديدة بوصفها قضية أمن واستقرار ومصالح طويلة الأمد لا مجرد أزمة يمكن احتواؤها بالمساعدات الإنسانية أو عبر إدارة ملف اللجوء فقط.
خلال سنوات الحرب، دفعت أوروبا أثماناً سياسية واجتماعية كبيرة؛ ملايين اللاجئين وصلوا إليها، وصعدت أحزاب اليمين المتطرف مستفيدة من ملف الهجرة والمتاجرة به سياسياً داخل دول الاتحاد الأوروبي، فيما تحولت سوريا إلى مصدر قلق أمني دائم بسبب التنظيمات المتشددة وشبكات التهريب والفوضى الحدودية، لذلك تبدو أوروبا اليوم أكثر واقعية في مقاربتها للعلاقة مع سوريا الجديدة، بعيداً عن لغة الشعارات التي طبعت السنوات السابقة.
أولى أولويات الأوروبيين تتمثل في الاستقرار، فالدول الأوروبية لا تريد رؤية سوريا تعود إلى الفوضى أو الانهيار الأمني، لأن أي اضطراب جديد سيعني موجات لجوء جديدة نحو أوروبا، وهو سيناريو تخشاه الحكومات الأوروبية بشدة في ظل الأزمات الاقتصادية وصعود التيارات الشعبوية. كما أن العواصم الأوروبية تدرك أن انهيار الاستقرار في سوريا لن يبقى محصوراً داخل حدودها بل سينعكس مباشرة على شرق المتوسط وعلى أمن أوروبا الداخلي، سواء من خلال الهجرة أو تنامي شبكات الجريمة العابرة للحدود.
كما أن ملف مكافحة الإرهاب لا يزال حاضراً بقوة في الحسابات الأوروبية، فبرغم تراجع نفوذ التنظيمات المتشددة مقارنة بسنوات الحرب تدرك أوروبا أن البيئة السورية الهشة قادرة على إنتاج موجات جديدة من التطرف إذا فشلت سوريا الجديدة في فرض الاستقرار وتحسين الظروف الاقتصادية. ولهذا تسعى دول أوروبية إلى بناء قنوات تنسيق أمنية مع دمشق منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام. كما أن الأوروبيين لا يريدون أن تكون الشراكة فقط بين سوريا وواشنطن، لذلك يسعون منذ اليوم الأول ليكونوا حاضرين في المشهد السوري، وأن يكون لهم دور فعال سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
في المقابل، تدرك سوريا الجديدة أن الانفتاح على أوروبا يمثل فرصة سياسية واقتصادية مهمة، فالبلاد المنهكة تحتاج إلى الاستثمارات وإعادة الإعمار، بينما تملك أوروبا خبرة واسعة في ملفات البنية التحتية والطاقة والتعليم والإدارة المحلية وإعادة تأهيل المؤسسات. كما أن دمشق تدرك أن أي عملية تعاف اقتصادي حقيقي لن تكون ممكنة من دون بوابة أوروبية قادرة على توفير التمويل والخبرات والتكنولوجيا إضافة إلى فتح الأسواق أمام الاقتصاد السوري مستقبلاً.
لكن العلاقة بين الطرفين لا تخلو من التعقيدات؛ فالأوروبيون يريدون ضمانات تتعلق بالاستقرار و”حقوق الإنسان” وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، بينما تخشى دمشق من تحويل الدعم الأوروبي إلى وسيلة ضغط سياسي دائم، ومع ذلك تبدو أوروبا أقل حدة من الولايات المتحدة في تناولها للمسألة السورية.
فبينما تركز واشنطن بصورة أساسية على الملف الأمني وحدود إسرائيل والتوازنات الإقليمية، تسعى أوروبا إلى لعب دور أوسع يشمل الاقتصاد وإعادة الإعمار والتنسيق السياسي والأمني طويل الأمد، خصوصاً أن سوريا أقرب جغرافياً إلى أوروبا، وأن تداعيات أي فوضى سورية تنعكس على الأوروبيين بصورة مباشرة وسريعة.
ملف اللاجئين يشكل بدوره نقطة مركزية في العلاقة بين الطرفين، فالكثير من الحكومات الأوروبية باتت تتحدث بصراحة عن ضرورة خلق ظروف تسمح بعودة جزء من السوريين سواء عبر تحسين الوضع الأمني أو دعم الاقتصاد المحلي، لكن الواقع أكثر تعقيداً من الخطابات السياسية.
إذ لا يزال عدد كبير من السوريين متردداً في العودة بسبب ضعف الخدمات والبطالة وغياب البنية التحتية والاستقرار الكامل، كما أن بعض السوريين الذين استقروا في أوروبا خلال سنوات الحرب باتوا مرتبطين بسوق العمل والتعليم هناك، ما يجعل ملف العودة أكثر حساسية وتعقيداً مما تتصوره بعض الحكومات الأوروبية.
ورغم التقارب بين أوروبا ودمشق الجديدة، إلا أن الموقف الأوروبي لا يطابق الرؤية الأمريكية بالكامل. فبينما تنظر واشنطن إلى سوريا غالبا من زاوية التوازنات الإقليمية والصراع مع الخصوم الدوليين، تبدو أوروبا أكثر اهتماماً بالتفاصيل اليومية المرتبطة بالهجرة والأمن والاقتصاد والطاقة. ولهذا تميل بعض العواصم الأوروبية إلى البراغماتية والانفتاح الكبير حتى في القضايا التي تبدو واشنطن أكثر تشدداً تجاهها، لأن الأوروبيين ينظرون إلى سوريا باعتبارها جزءاً من أمنهم القومي المباشر، وليس مجرد ساحة صراع بعيدة عنهم.
لكن العقبة الأهم تبقى داخل سوريا نفسها فأوروبا تريد التعامل مع دولة مستقرة تمتلك مؤسسات وقادرة على فرض القانون، بينما لا تزال البلاد تعاني من هشاشة اقتصادية وتراكمات الحرب الطويلة وبعض الانقسامات الاجتماعية ووجود مناطق خارجة عن السيطرة الكاملة للدولة. ولذلك فإن نجاح العلاقة بين الطرفين لن يعتمد فقط على الرغبة السياسية، بل على قدرة سوريا الجديدة على التحول من ساحة صراع إلى دولة قابلة للحياة والشراكة والتعاون في مختلف الملفات التي تهم أوروبا.
في النهاية، لا تتحرك أوروبا بدافع المثالية تجاه سوريا، بل انطلاقاً من حسابات الأمن والمصالح والاستقرار الإقليمي. أما دمشق، فتدرك أن الطريق نحو إعادة الاندماج الدولي يمر جزئياً عبر البوابة الأوروبية. وبين المصالح المتبادلة والحذر المتراكم من سنوات الحرب، تتشكل علاقة جديدة عنوانها التعاون الضروري، وهي علاقة قد تعيد رسم شكل الحضور الأوروبي في سوريا، كما قد تمنح دمشق فرصة للخروج التدريجي من تبعات وتركة نظام الأسد الثقيلة نحو مرحلة أكثر استقراراً وانفتاحاً.
كما أن سوريا الجديدة بحاجة لخبرات السوريين الذين اكتسبوها خلال هجرتهم الجماعية إلى أوروبا، وهم قادرون على نقل خبراتهم إلى وطنهم الأم سوريا.
- الثورة السورية






















